الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
يريد به مؤمني أهل الكتاب .
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ
بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه . وهو حال مقدّرة والخبر ما
شرح
وجوده من الآلات والقوى ، والامتناع الحاصل من حكمه تعالى بعصمتهم وعلمه بها امتناع بالغير وهو لا ينافي الإمكان الذاتي الذي هو شرط التكليف والتحذير . وأيضا حكمه تعالى بعصمة الأنبياء وعلمه بها يستلزم كونهم مكلفين بالأوامر والنواهي لأن معنى العصمة أن يعصم المرء عن ارتكاب ما نهي عنه ، وأن يوفق لامتثال ما أمر به ولما كانا مستلزمين للتكليف امتنع كونهما منافيين له ، ولأن الحكم بالعصمة والعلم بها لو كان منافيا للخطاب والتكليف بالأمر والنهي للزم بطلان الثواب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لأن الثواب يتفرع على أداء الطاعات والطاعات عبارة عن إتيان المأمور به والاجتناب عما نهي عنه ، فإذا لم يتحقق الأمر والنهي في حقهم لا يتصور منهم الطاعة وذلك يستلزم انتفاء الثواب عنهم وذلك باطل . قال الإمام : دلت الآية على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتبع أهواءهم ومع ذلك قد توعد عليه ونظيره قوله :لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَوإنما حسن هذا الوعيد ليكون أحد صوارفه .
قوله : ( يريد به مؤمني أهل الكتاب ) كعبد اللّه بن سلام وأصحابه من الذين أسلموا من اليهود ، وكالأربعين الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب يوم فتح خيبر اثنان وثلاثون منهم من الحبشة وثلاثة من رهبان الشام ومنهم بحيرا الراهب . وقيل : هم تسعة وثلاثون رجلا من بقايا قوم عيسى آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسّلام . قال اللّه تعالى :وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ[ القصص : 53 ] والموصول وإن كان عاما لجميع من أنزل عليهم الكتاب من الأمم إلا أن المصنف خصه بالذين آمنوا منهم بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بقرينة تقييده بالجملة الحالية التي هي قوله :يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِفإنه كما ذكره حال مقدرة من الضمير المنصوب فيآتَيْناهُمُأو منالْكِتابَمثل قولك : اشتريت صقرا صائدا به غدا ، وإنما جعله حالا مقدرة لأنهم لم يكونوا تالين له وقت الإيتاء لما ذكر في الآية المتقدمة قبائح المتعنتين الطالبين للرياسة من اليهود والنصارى ، اتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وحب الرياسة منهم وطلب مرضاة اللّه تعالى وحسن ثواب الآخرة وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية . وقوله :حَقَّ تِلاوَتِهِنعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل المذكور أي يتلونه تلاوة حق تلاوته ، واختاره الكواشي كونه منصوبا على المصدرية بناء على أن تقدير الكلام تلاوة حقا . فإن نعت المصدر إذا قدم عليه وأضيف إليه انتصب انتصاب المصادر نحو : ضربت أشد الضرب ، وقمت أحسن القيام بنصب « أشد » و « أحسن » على المصدرية . وقوله : وأُولئِكَمبتدأ