شرح
ومن صلة وقوله :مِنَ اللَّهِمنصوب المحل على أنه حال لأنه لما كان مقدما علىمِنْ وَلِيٍّامتنع أن يكون صفة له ونظيره قوله لعزة :موحشا طلل قديموالولي فعيل من الولي وهو القرب ثم القرب قد يكون بمعنى الدنو كما في قوله :تباعدنا بعد وليوقولهم : كل مما يليك أي مما يقاربك . وقد يكون بمعنى القرب من جهة النسب ، وهو المراد ههنا عند المصنف لما مرّ من قوله : الفرق بين الولي والنصير العموم والخصوص من وجه ، لأن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور كما يكون من أقرباء المنصور وهو مادة اجتماعهما . والولي وإن جاء بمعنى الصديق وهو ضد العدو كما في قوله تعالى :إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ[ المائدة : 55 ] وقوله :لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ[ النساء : 144 ] وبمعنى القيم بالأمر والمتولي له يقال : ولاه بيع الشيء فولى الرجل بيعه وكل من ولي أمر أحد فهو وليه فيكون المعنى : مالك من أحد يلي دفع السوء عنك . وإلى هذا المعنى مال الإمام النسفي حيث قال : قد وعده اللّه تعالى التأييد بالنصرة وبالمؤمنين بقوله :هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ[ الأنفال : 62 ] فأخبر بهذه الآية أنه لو اتبع أهواءهم لم يكن له من اللّه ولي أي حبيب يتولى عنه الدفاع ولا ناصر يمنع عنه العذاب . ولم يلتفت إلى هذين المعنيين لأن ذكر الولي بهذا المعنى يغني عن ذكر النصير .
ثم إن المفسرين اختلفوا في أن الخطاب في قوله تعالى :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْلمن هو ؟
فقيل : إنه وإن كان للنبي ظاهرا إلا أن المراد به أمته ، ولا بدع في أن يخاطب رئيس القوم بما يلزم القوم . وصرفوا الخطاب عن ظاهره بناء على أن الأنبياء معصومون من اتباع هوى الكافرين ولا يتصور منهم ذلك ، والنهي والتكليف يقتضي كون المكلف به متصورا ومحتملا . وقيل : الصحيح أن الخطاب متوجه إلى النبي عليه الصلاة والسّلام في الحقيقة كما هو كذلك ظاهرا لأن ما بعده وما قبله خطاب له عليه الصلاة والسّلام وما ذكر من أنه تعالى حكم بعصمة الأنبياء عليه الصلاة والسّلام وعلم منهم أنهم لا يعصونه ولا يخالفون أمره ولا يرتكبون ما نهى عنه ، فكانت عصمتهم واجبة فلا وجه لتحذيرهم من الشرك واتباع هوى الكفرة بقوله :لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ[ الزمر : 65 ]وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْفوجب أن يكون التحذير متوجها إلى الأمة لا إلى أنفسهم . فالجواب عنه أن التكليف والنهي والتحذير إنما يعتمد على كون المكلف به محتملا ومتصورا في ذاته من حيث تحقق ما يتوقف عليه