بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
أي من الوحي أو الدين المعلوم صحّته .
ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
( 120 ) يدفع عنك عقابه وهو جواب لئن .
شرح
الآخر ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى ، فلذلك أخبر أنه لا يرضى الكل إلا باتباع أهواء الكل .
قوله : ( أي الوحي ) الظاهر أن المراد به ما أوحى إليه وهو القرآن قال المصنف في تفسير قوله تعالى في آخر سورة حم عسقوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً[ الشورى : 51 ] أي كلاما خافيا يدرك بسرعة لأنه تمثيل ليس في ذاته مركبا حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة . قال الإمام القرطبي : سئل الإمام أحمد بن حنبل عمن يقول القرآن مخلوق ؟ قال : إنه كافر . فقيل : بم كفرته ؟ قال : بآيات من كتاب اللّه عز وجل منها قوله تعالى :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِفالقرآن من علمه تعالى فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر . وهذا صريح في أن المراد من العلم هو القرآن الموحى إليه .
وفسره الزمخشري بالمعلوم حيث قال : من العلم أي من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة . وقال النحرير التفتازاني : فسره به لأن الذي أوحي إليه هو المعلوم لا العلم نفسه . وفيه بحث لأن المراد بمجيء المعلوم مجيء البيان بالطريقة المسنونة في عقائد المكلفين واقعا لهم وببيانها مجيء العلم بها وهو تحصيل حاصل ، فيجوز أن يحمل العلم على معناه الحقيقي غايته أن يحمل مجيئه على حصوله في المحل بعد أن لم يكن حاصلا فيه لا على الانتقال من محله الأول إلى محل آخر ، واستعمال المجيء في هذا المعنى شائع لا محذور فيه ، والمراد بمجيء الدين أيضا حصول العلم به لا انتقاله من محل إلى محل آخر .
والفرق بين ما ذكره المصنف من الوجهين أنه لما لم يصح اتصاف نفس العلم الذي هو الصورة المرتسمة في الذهن بالمجيء والانتقال حمله أولا على ما هو طريق وسبب لحصوله وهو القرآن الموحى إليه فإنه يصح أن يوصف بالانتقال والمجيء حقيقة وإن لم يكن الانتقال وصفا له لذاته بل إنما يعرض له الحركة والانتقال تبعا لمحله ، كما ذكر من أن القرآن منزل من أعلى إلى أسفل تبعا لنزول جبريل عليه السّلام . وحمله ثانيا على الدين المعلوم المبين نفسه وصحته بالبراهين القاطعة واللام في قوله تعالى :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْموطئة للقسم والقسم مقدم تقديرا وما بعد الجملة الشرطية جواب القسم لفظا ومعنى ، وجواب الشرط معنى فقط لا لفظا لأن كونه جوابا لهما جميعا يستلزم اجتماع المتنافيين في بعض الصور لأن الشرط يستلزم أن يكون جوابه مجزوما بخلاف القسم فإنه يقتضي كون جوابه مرفوعا . فوجب أن يجعل جوابا لأحدهما لفظا والقسم لكونه مقدما يقتضي أن تكون العناية به أكثر من الشرط فكان جعله جوابا له أنسب . وقوله :مِنْ وَلِيٍّمرفوع المحل على الابتداء « ولكم » خبره