تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد . وفيه إشارة إلى أنهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد اليقين وإنما قالوه عتوا وعنادا .
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ
ملتبسا مؤيدا به
بَشِيراً وَنَذِيراً
فلا عليك إن أصروا أو كابروا .
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
( 119 ) ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت .
شرح
طريق ذكر المسبب وإرادة السبب ولا بعد في نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها ، وتقرير الوجه الثاني أن الموقن مجاز عن المتردد المستعد للاتصاف باليقين المطلق وهو اليقين الكامل المقرون بالإذعان والقبول الذي لا يجامعه الجحود والعناد ومثل هذا اليقين هو الإيمان المعتبر شرعا لأن مجرد الإيقان بدون الإذعان والقبول بل مع الإباء والاستكبار ليس بإيمان ، ومثل هذا المتردد المستعد يسمى موقنا على طريق تسمية المشارف للاتصاف بالشيء باسم المتصف به كما في قوله عليه الصلاة والسّلام : « من قتل قتيلا فله سلبه » . فإنه عليه السّلام سمّى الحي المشارف للموت قتيلا باعتبار ما يؤول إليه حاله . فإن قلت : القوم إنما وصفوا بمجرد الإيقان لا بالإيقان الذي لا يجامعه الجحود والعناد فكيف يقال : إنهم سموا موقنين إيقانا لا يجامعه الجحود والعناد باعتبار كونهم مستعدين مشارفين له ؟ قلت : الإيقان الكامل هو الذي يقارنه الإذعان والقبول ولا يجامعه العناد والجحود ، فلما وصفوا بقوله : « يوقنون » فكأنه قيل لقوم يتيقنون : إنها آيات واجبة القبول وقبولها قبولا تاما حال تبين الآيات لهم وإن كان ليس كذلك إلا أنهم سموا ووصفوا به مجازا باعتبار المآل . قوله : ( وفيه إشارة إلى آخره ) وذلك أنه تعالى وصف الآيات بكونها مبينة واضحة الدلائل لمن يطلب اليقين التام أو لمن يستعد له وذلك ينافي خفاءها وينافي أيضا احتياجهم إلى اقتراح آيات زائدة عليها لطلب مزيد يقين ، لأنه تعالى أظهر ، وبيّن من الدلائل والآيات ما فيه كفاية لحصول اليقين التام الكامل . قوله : ( ملتبسا مؤيدا به ) إشارة إلى أن قوله :بِالْحَقِّمنصوب المحل على أنه حال من كاف « أرسلناك » أو على أنه صفة مصدر محذوف أي إرسالا ملتبسا بالحق ، وقوله : « مؤيدا به » يؤيد الأول . وأن المراد بالحق الحجج والآيات وسميت به لتأديتها إلى الحق . وقوله :بَشِيراً وَنَذِيراًحالان من الكاف أيضا أي مبشرا لمن اتبعك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد ، ومنذرا لمن كفر بك وعصاك أي مخوفا كالبديع بمعنى المبدع . والمعنى : أن شأنك بعد إظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس إلا الدعوة والإبلاغ بالتبشير والإنذار إلا أن تخويفهم يجبرهم على القبول والإيمان ، فلا عليك إن أصرّوا على الكفر والعناد فإن الأحوال أوصاف لذوي الحال والأوصاف مقيدة للموصوف . وقراءة الجمهور « ولا تسأل » بضم التاء واللام فيحتمل أن يكون