تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وقرىء بتشديد الشين .
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
( 118 ) أي يطلبون اليقين
شرح
لا يجري على اللسان إلا ما ينبني على التعلل والتباعد عن الإيمان كقوله تعالى :كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ[ الذاريات : 52 - 53 ] أي أتواصي الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوا ذلك جميعا متفقين عليه ، وذلك إنما هو لتشابه قلوبهم في القسوة والعمى . قوله : ( وقرىء بتشديد الشين ) على أن أصله تتشابهت قلوبهم قلبت التاء الثانية شينا لاتحادهما في المهموسية ، وأدغمت الشين في الشين كما تقول في « اشتبه » « أشبه » . وهذه القراءة مشكلة لأن الفعل إن كان ماضيا لم يجتمع في أوله تاءان حتى تدغم الثانية وتبقى الأولى منهما ، وإن كان مضارعا لم يلحق بآخره تاء التأنيث الساكنة . ولعل وجهه مع الشذوذ أنه فعل مضارع ولما أدغمت التاء الثانية في الشين لم يبق في أوله إلا تاء واحدة فأشبه الماضي ، فألحقت بآخره تاء التأنيث الساكنة . قال الراغب : وكان من قرأ بتشديد الشين ينظر إلى قوله : تشابه فحمله عليه وذلك خطأ ، لأن تشأيه أصله تتشابه فأدغم وليس في تشابهت ذلك . هذا كلامه . نسب هذه القراءة الشاذة إلى الخطأ ولم يتعرض لوجهها ولم أر في كتب التفاسير ما ذكرت فيه هذه القراءة . حكى اللّه تعالى عنهم أولا ما يقدح في التوحيد وهو قولهم :اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداًواحتج على فساده بوجوه . ثم حكى عنهم ما يقدح في النبوة وهو قولهم : إن كنت صادقا في دعوى الرسالة كان المناسب أن تحقق أحد الأمرين إما أن يكلمنا اللّه تعالى مشافهة بأنه أرسلك إلينا نبيا وأنه يجب علينا اتباعك في جميع ما جئتنا به ، وإما أن تأتينا بآية نعلم منها أنك رسول اللّه وشنع عليهم أولا بأن وصفهم بالجهل من حيث إنه تعالى قد كلمهم وأخبرهم بالوحي وهو القرآن أنهأَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ[ التوبة : 33 ] وآتى رسوله آيات دالة على رسالته كالقرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجر وكلام الذئب والشاة المشوية المسمومة وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وشق القمر ، وأنهم قد علموا بذلك كله وتيقنوا ولكن لما لم ينتفعوا بعلمهم نزلوا منزلة الجاهل . ثم شنع عليهم بتشبيه قولهم هذا بأقوال الكفار المتقدمين وتشبيه قلوبهم بقلوب هؤلاء في العمى والعناد ثم بكتهم بقوله :قَدْ بَيَّنَّاالخ أي بينا من الآيات ما فيه كفاية لجميع المكلفين بالإيمان إلا أنه خص الموقنين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بنصبها وبيانها كما مر في قوله تعالى :هُدىً لِلْمُتَّقِينَ[ البقرة : 2 ] واليقين أبلغ العلم وأوكده بأن يكون جازما غير محتمل وثابتا غير زائل بالتشكيك بعد أن يكون مطابقا للواقع . ولما ورد أن يقال : الموقن بهذا المعنى لا يحتاج إلى نصب الدلائل وبيان الآيات لأن بيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل فما وجه قوله :قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَأجيب عنه بوجهين : تقرير الأول أن الإيقان مجاز عن طلب اليقين على