بأطوار ومهلة وفعله تعالى يستغني عن ذلك . وقرأ ابن عامر فيكون بفتح النون . واعلم أن السبب في هذه الضلالة أنّ أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على اللّه تعالى باعتبار أنه السبب الأوّل حتى قالوا : إن الأب هو الرب الأصغر واللّه سبحانه وتعالى هو الأب الأكبر ، ثم ظنّت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة فاعتقدوا ذلك تقليدا . ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا حسما لمادّة الفساد .
شرح
ومن غير افتقار إلى مرور الأوقات وتعاقب الأطوار ؟ قوله : ( وقرأ ابن عامر بفتح النون ) على أنه جواب الأمر . فإن قوله :كُنْأمر بحسب اللفظ والصورة فجاز انتصاب المضارع بعده بإضمار « إن » نظرا إلى ظاهر اللفظ ، وإن لم يكن أمرا بحسب المعنى والحقيقة بل هو مجاز عن سرعة التكوين كما مر . وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف أي فهو يكون أو على العطف على يقول . قوله : ( واعلم أن السبب في هذه الضلالة ) وهي نسبة الولد إلى اللّه تعالى والقول بأنه تعالى اتخذ ولدا ، قال الراغب : إن قيل : من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى اللّه تعالى ؟ قيل : قد ذكر أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على البارىء اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله حتى أنهم قالوا : إن الأب هو الرب الأصغر وإن اللّه هو الأب الأكبر ، وكانوا يريدون بذلك أن اللّه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان وأن الأب هو السبب الأخير في وجوده فإن الأب هو معبود الابن من وجه أي مخدومه . وكانوا يقولون للملائكة آلهة كما قالت العرب للشمس الآلهة ، وكانوا يقصدون معنى صحيحا كما يقصد علماؤنا بقولهم : إن اللّه محب ومحبوب ومريد ومراد ونحو ذلك من الألفاظ . وتقول الناس : رب الأرباب . ثم تصور الجهلة منهم بالآخرة معنى الولادة الطبيعية فصار ذلك منهيا عن التفوه به في شرعنا تنزها عن هذا الاعتقاد حتى صار إطلاقه وإن قصد به ما قصده هؤلاء كفرا في شرعنا . انتهى كلامه . قوله : ( ومنع منه مطلقا ) أي سواء قصد به معنى التشبيه أي معنى الولادة الطبيعية أم لا ، فإن قيل : لما جاز أن يتخذ اللّه خليلا كما قال :وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا[ النساء : 125 ] وكان محمد حبيبا للّه وقد أجمع الناس على صحة إطلاق هذا اللفظ بطريق الكرامة لمن نسب إليه ، فلم لا يجوز أن يتخذ ولدا وينسب إليه عيسى مثلا باسم الولد أو الابن كرامة لعيسى كما ينسب ابن الغير إلى الغير مجازا كرامة لمن نسب إليه ؟ أجيب بأن عامة أهل العلم امتنعوا عن إطلاق هذا الاسم مع تجويزهم إطلاق اسم الخليل والحبيب ونحوهما بناء على أنه لم يرد الشرع بإطلاق اسم الولد والابن والبنت مضافا إليه تعالى ، وفي أسماء اللّه تعالى يعتبر التوقيف . وقيل في الفرق بينهما : إنه يجوز أن يقال : خليل اللّه وحبيب اللّه ولا يجوز أن يقال : ولد اللّه وابن اللّه لأن الخلة كما تتحقق في الجنس تتحقق في خلاف الجنس . فأما الولادة فلا تكون إلا في الجنس فإن التولد يقتضي أن يكون الأب من جنس