حقيقة أمر وامتثال بل تمثيل حصول ما تعلّقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا
شرح
رتب تكوّن المخلوق على قوله :كُنْبفاء التعقيب فيكون قوله :كُنْمتقدما على تكون المخلوق بزمان والمقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثا فقوله :كُنْلا يجوز أن يكون قديما ولا يجوز أيضا أن يكون محدثا ، لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله :كُنْوقوله :كُنْأيضا محدث فيلزم افتقار « كن » إلى آخر ، ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله :كُنْ .والوجه الثاني أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق ب « كن » قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله فيه ، والأول باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، والثاني أيضا باطل لأن حاصله يرجع إلى أنه تعالى يأمر الموجود بأن يصيره موجودا ولا فائدة فيه ، والوجه الثالث أن المخلوق قد يكون جمادا وتكليف الجماد عبث لا يليق بالحكيم . والوجه الرابع أن « كن » لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة في التكوين . والوجه الخامس قوله تعالى :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ آل عمران : 59 ] بيّن أن قوله :كُنْفي وجود الشيء ، فظهر بهذه الوجوه فساد القول بتوقف الحوادث على قوله :كُنْثم قال : إذا ثبت هذا فلا بد لهذه الآية من التأويل وهو أن يقال : إن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة اللّه تعالى في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السماوات والأرض :فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[ فصلت : 11 ] من غير تأن منهما بل على سبيل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره في قول العرب :قال الجدار للوتد لم تشقني * قال سل من يدقنيفإن الذي ورأي * ما خلاني ورأيونظيره قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[ الإسراء : 44 ] إلى هنا كلام الإمام . ولا شك أن قوله :كُنْ فَيَكُونُليس موضوعا لسرعة نفاذ القدرة فلا بد أن يكون مجازا في المعنى المذكور مبنيا على تشبيه حالة اعتبارية مأخوذة من عدة أمور بحالة أخرى مثلها وإطلاق ما يستعمل فيها على الحالة المشبهة فتكون استعارة تمثيلية .
وهو مراد المصنف بقوله : « بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف » يعني أن قوله :كُنْليس بأمر وقوله :فَيَكُونُليس بامتثال . وليس المراد أنه تعالى إذا أراد شيئا من المكنونات يأمره حقيقة بأن يتكون بل المراد أنه تعالى إذا أراد شيئا يحصل ذلك الشيء بلا مهلة من غير امتناع ولا توقف ، إلا أنه عبر بذلك عن سرعة