توقف . وفيه تقرير لمعنى الإبداع وإيماء إلى حجّة خامسة وهو أن إيجاد الولد مما يكون
شرح
إيجاده من غير امتناع وتوقف . ثم استعمال العبارة الموضوعة للهيئة الثانية في الأولى وليس هناك قول ولا كلام وإنما وجود الأشياء بالخلق والتكوين مقرون بالقدرة والإرادة والعلم . قال النحرير التفتازاني : ما ذكر من حمل الكلام على التمثيل هو المعول عليه عند الجمهور .
وذهب بعضهم إلى أنه حقيقة وقد جرت السنة الإلهية بأن تكون الأشياء بكلمة « كن » و « يكون » المأمور هو الحاضر في العلم والمأمور به الدخول في الوجود . انتهى كلامه .
وقوله : « ويكون المأمور هو الحاضر في العلم » جواب عما يقال : كلمة « كن » لفظا مرّ يقتضي مخاطبا مأمورا بالوجود والحدوث ، والأمر والخطاب يقتضي أمرا موجودا فالشيء لا يقال له « كن » حال عدمه وكذا لا يقال له حال وجوده لأن الشيء لا يؤمر بالوجود حال وجوده ، كما ذكر الإمام في الحجة الثانية . وتقرير الجواب أن خطاب التكوين لا يقتضي مخاطبا موجودا في الخارج كما يقتضي مخاطبا حاضرا في العلم والماهيات الممكنة بأسرها حاضره في علم اللّه تعالى قبل دخولها في الوجود ، فجاز أن يقول لها : « كوني » ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود . والمأمور بهذا الأمر كما لا قدرة له على دفع هذا الأمر لا مدخل له أيضا في تحقق المأمور به سوى كونه قابلا له فالمعنى « كوني بتكويننا إياك » .
ولهم أن يجيبوا عن الاحتجاج الأول الذي ذكره الإمام بأن ما ذكرتم إنما يدل على استحالة أن يتوقف حدوث الأشياء على الخطاب اللفظي ونحن لا ننكر استحالته بل نقول إن الأشياء توجد بإيجاد اللّه تعالى وإنه أجرى سنته بأن يكونها بالأمر النفسي والخطاب الأزلي وأن ذلك يقتضي مخاطبا علميا ، واللفظ المذكور في الكلام المجيد وهو لفظ « كن » إنما هو دليل على ذلك الأمر النفسي القائم بذاته تعالى . والمعتزلة لما أنكروا الكلام النفسي واستبعدوا الخطاب اللفظي للمعدوم اضطروا إلى حمل الآية على التمثيل ، وأما غيرهم فقد افترقوا كما ذكرنا واللّه أعلم .
قوله : ( وفيه تقرير لمعنى الإبداع ) لأن قول « كن » لما كان مجازا عن سرعة التكوين وحصول المراد بلا مهلة وكان مرتبا على القضاء بفاء التعقيب في قوله :فَإِنَّمالزم أن لا يتخلل بين إرادة التكوين وتحققه مادة ولا مدة وهو معنى الإبداع بعينه . قال الإمام أبو منصور : قوله تعالى :وَإِذا قَضى أَمْراًالآية رد على الذين قالوا اتخذ اللّه عيسى ولدا بناء على أنه لم يسغ في عقولهم إيجاد عيسى من غير أب ، فرد اللّه تعالى عليهم بهذه الآية .
وتقريره : أنه لو كان لأحد منكم قدرة على أن يخلق أصعب الأشياء وأعظمها لا عن أصل بحرفين من غير آلة وسبب ومعالجة ، كيف لا يقدر على أن يخلق واحدا من غير أصل وهو أهون عندكم من إيجاد جميع الأشياء من السماوات والأرض وما فيهما من غير آلة وسبب