تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
العلم تحقيرا لشأنهم وتنوين كل عوض عن المضاف إليه أي كل ما فيهما . ويجوز أن يراد كل من جعلوه ولدا له مطيعون مقرون بالعبودية فيكون إلزاما بعد إقامة الحجّة . والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه ، واحتج بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك وذلك يقتضي تنافيهما .
شرح
يخص بالعقلاء وهو لفظ « قانتون » فإن الجمع بالواو والنون يطلق على العقلاء خاصة والمناسب في الموضعين تغليب العقلاء على غيرهم لأن الذي وقع فيه الكلام هو من جعلوه ولدا للّه تعالى من العقلاء فلم عدل عن هذا ؟ أجاب عنه المصنف رحمه اللّه بقوله : « وإنما جاء بما الذي لغير أولي العلم » يعني أنه عبّر عن العقلاء وغيرهم بلفظ لا يخص بالعقلاء تحقيرا لشأن العقلاء الذين جعلوا ولدا للّه تعالى . وهذا الجواب قريب لما يقال : عبّر عن الموجودات بأسرها بلفظ « ما » في مقام تخصيصها ملكا وخلقا تنبيها على أن العقلاء بمنزلة الجمادات من حيث إن شيئا منهما لا يمتنع عن مشيئته وتكوينه وعبّر عنها في مقام العبودية والانقياد بما يخص بالعقلاء تنبيها على أن الجمادات في مقام العبودية بمنزلة العقلاء . قوله : ( أي كل ما فيهما أو كل من جعلوه ولدا له ) يعني أن المضاف إليه المحذوف ليس لفظ واحد على ما هو الشائع في كل إذا كان منونا إذ لا يناسب أن يخبر عن كل واحد بأنه « قانتون » بلفظ الجمع بل المضاف إليه المحذوف هو ما في السماوات والأرض جميعا بقرينة سبق الذكر أو البعض لمعين مما في السماوات والأرض ، وهو من جعلوه ولدا بقرينة المقام لأن الكلام وقع فيه . والمراد من القنوت على الأول الانقياد لأمر التكوين ، وعلى الثاني الانقياد لأمر التكليف والامتثال لما أمروا به والجري على مقتضى العبودية . فيكون قوله :كُلٌّ لَهُ قانِتُونَإلزاما للزاعمين فيما زعموه بعد إقامة الحجة على فساد ما زعموه بقوله :بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِويكون مجموع الآية مشعرا بفساد ما قالوه من ثلاثة أوجه : الأول تنزيه اللّه تعالى عما قالوا في حقه ، والثاني الاستدلال على فساده ، والثالث الإلزام عليهم بإثبات ما ينافي زعمهم وهو إقرارهم بالعبودية التي تنافي الولدية ، فإن أحدا لا يتخذ عبده ولدا مع شدة حاجته إلى الأولاد فكيف يزعمون ذلك في حق اللّه تعالى مع غناه عن الأولاد والأنصار ؟ لكن في الشاهد ربما يعتق المرء عبده فيتخذه ولدا وذا لا يتصور في الغائب لأن خروج أحد عن عبوديته تعالى لا يتصور لأن جميع ما سواه صاروا عبيدا وملكا له تعالى بسبب خلقه وإيجاده إياهم ولا يخرج أحدهم عن كونه مخلوقا له ، فلا يخرج عن كونه عبدا مملوكا له وقيام العبودية إذا كان مانعا من اتخاذ العبد ولدا في الشاهد كان ذلك في الغائب أولى كما قال :وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً[ مريم : 92 - 93 ] .