أخطأ المجتهد ثم تبيّن له الخطأ لم يلزمه التدارك . وقيل : هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة .
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
نزلت لما قالت اليهود : عزير ابن اللّه والنصارى :
المسيح ابن اللّه ومشركو العرب : الملائكة بنات اللّه ، وعطفه على قالت اليهود أو منع
شرح
وجه اللّه . وقد ذهب أكثر المجتهدين إلى هذا كأبي حنيفة ومالك وسفيان وأحمد رضي اللّه عنهم وقالوا : إذا صلّى في الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة ، لأن التوجه إلى عين الكعبة إنما يجب على من حضرها وشاهدها وأما من كان غائبا عنها فليس له سبيل إلى إصابة عينها مع البعد عنها بل الواجب عليه التوجه إلى جهة الكعبة . وإنما طريق معرفتها الاجتهاد والاستدلال بالنجوم وغيرها فإذا فات هذا الطريق الخاص للاجتهاد بسبب الغيم والظلمة أو بالجهل انحصر طريق معرفتها في الاجتهاد بالتحري ، فإذا طال أخطأ الجهة لا يجب عليه الإعادة إذ هو حكم أمضى بالاجتهاد فلا ينقض باجتهاد مثله لأن الاجتهاد لا يفيد اليقين فلا ينقض الاجتهاد الأول بالشك . وكذا الكلام في كل مسألة اجتهادية فإنه إذا ظهر عند المجتهد أنه أخطأ في اجتهاده باجتهاد آخر لا ينقض ما مضى ويعتبر الاجتهاد الحادث في المستقبل لا في نسخ ما مضى . قوله :
( وقيل هي توطئة لنسخ القبلة ) يعني أنه تعالى لما أراد تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة بيّن لهم أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف مملوكة ومخلوقة له تعالى فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل لأن اللّه تعالى جعلها قبلة . فإن حول قبلتكم إلى الكعبة وأمركم بالتوجه إليها فلا تنكروا ذلك لأنه واسع الملك وغني عن الخلق يدبر أمور عباده كيف يشاء عليم بمصالحهم وبمن رضي وانقاد لحكمه ، وبمن أبى وعصا ، فكانت الآية مقدمة لما كان يريد من نسخ القبلة . ووجه كون الآية تنزيها للمعبود عن أن يكون في حيز وجهة أن الحيز والجهة عبارتان عن أمر ممتد في الوهم وطولا وعرضا ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم مركب فيكون حادثا مخلوقا له تعالى والخالق مقدم على المخلوق لا محالة فثبت أن الباري تعالى قد كان قبل خلق العالم منزها عن الجهات والأحياز فوجب أن يبقى بعد الخلق كذلك لاستحالة انقلاب الحقايق والماهيات .
قوله : ( نزلت لما قال اليهود كذا والنصارى كذا ومشركو العرب كذا ) يريد أن ضمير « قالوا » راجع إلى الفرق الثلاث المذكورة سابقا : أما اليهود والنصارى فقد ذكروا صريحا ، وأما المشركون فقد ذكروا بقوله تعالى :كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ[ البقرة : 113 ] وعلى تقدير كونه معطوفا على « منع » يكون ضمير الجمع راجعا إلى « من »