الأرض مسجدا .
فَأَيْنَما تُوَلُّوا
ففي أيّ مكان فعلتم التولية شطر القبلة .
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
أي جهته التي أمر بها فإن إمكان التولية لا يختص بمسجد أو مكان ، أو فثم ذاته أي هو عالم مطّلع بما يفعل فيه .
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ
بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد
شرح
قبلة اللّه أينما كنتم من أرضه . و « أينما » شرط في الأمكنة تقول : أينما تقم أقم . و « ما » مزيدة للتأكيد و« تُوَلُّوا »مجزوم به و « علامة » الجزم هنا سقوط النون و « أين » منصوب بقوله :« تُوَلُّوا »وقوله :« فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »جواب الشرط و « ثم » ظرف بمنزلة « هناك » تقول لما قرب من المكان « هنا » ولما بعد « ثم » و « هناك » والناصب له الاستقرار و« تُوَلُّوا »فعل مضارع لجماعة المخاطبين وهو من ولي يولي بمعنى وجه يوجه وهو يتعدى إلى مفعولين قال تعالى :فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها[ البقرة : 144 ] فإن قبلة مفعول ثان له وكاف الخطاب مفعوله الأول . قال الإمام : يقال ولّى إذا أقبل وولّى إذا أدبر . وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال .
قوله : ( ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة ) أي صرفتم وجوهكم نحو القبلة ، إشارة إلى أن « أينما » ظرف« تُوَلُّوا »لا مفعول به ، وأن الفعل المذكور منزل منزلة اللازم وليس تعلقه بشيء من مفعوليه مرادا بل هما محذوفان نسيا منسيا . وكان أصل المعنى : ففي أي مكان فعلتم تولية وجوهكم شطر القبلة المأمور بها وترك المفعولان لفظا ونية بناء على أنه ليس المقصود بيان الحكم المتفرع على تعلقه بالمفعول ، وإنما المقصود بيان عدم اختصاص إمكان فعل التولي ببعض الأماكن دون بعض ولو كان « أين » مفعولا به لدل الكلام على جواز التوجه إلى أي جهة كانت ، كما روي أنه كان يجوز في الابتداء أن يتوجه المصلّي في صلاته إلى أي جهة شاء بهذه الآية . ثم نسخت بقوله تعالى :فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ[ البقرة : 144 ، 150 ] ولم يعتمد المصنف على صحة هذه الرواية ولم يجعل الآية لتوسعة جهات التوجه بل جعلها لتوسعة أماكن التوجه على معنى أن التوجه إلى القبلة في أي موضع كان جائز . وجعل الوجه بمعنى الجهة كالوزن ، والوعد بمعنى الزنة والعدة ، فكأنه قيل : ففي أي بقعة من بقاع الأرض صليتم فعلتم التولية فهناك قبلة اللّه وجهة أمره . ولما كان ظاهره يوهم اتحاد الشرط والجزاء أشار إلى دفعه بقوله : « التي أمر بها » الخ والمعنى أن الجهة التي توجهتم إليها في ذلك المكان هي الجهة التي أمر اللّه تعالى بالتوجه إليها ورضيها ، وأن التولية المعتبرة ممكنة في كل مكان لا يختص إمكانها في مكان دون مكان . قوله : ( أو فثم ذاته ) على أن يكون الوجه مجازا من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل . والمعنى ففي أي مكان فعلتم التولية فهو موجود فيه يمكنكم الوصول إليه إذ ليس هو جوهرا أو عرضا حتى يكون في مكان ولما امتنع عليه أن يكون في مكان أول قوله فثم ذاته بأن علمه محيط بما يكون في جميع الأماكن والنواحي . قوله : ( بإحاطته بالأشياء ) ملكا