تمكينهم من الدخول في المسجد ، واختلف الأئمة فيه : فجوّز أبو حنيفة ، ومنع مالك ، وفرّق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره .
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
قتل وسبيّ أو ذلّة بضرب الجزية .
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 114 ) بكفرهم وظلمهم .
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
يريد بهما ناحيتي الأرض أي له الأرض كلّها لا يختص به مكان دون مكان فإن منعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام أو الأقصى فقد جعلت لكم
شرح
النهي يكون المعنى نهي الكفار عن الدخول لا نهي المؤمنين عن التمكين والتحلية . ويمكن أن يجاب عنه بأن نهي الكفار عن الدخول كناية عن نهي المؤمنين عن التمكين من الدخول كقولك : لا رأيتك ههنا فإن ظاهره نهي المتكلم نفسه عن رؤية المخاطب في ذلك المكان والمراد نهي المخاطب عن الحضور فيه على طريق الكناية باللازم عن الملزوم وهو أبلغ من التصريح بالمراد لكونها في قوة إثبات المراد بالبينة . قوله : ( فجوّز أبو حنيفة ) أي جوّز للكافر أن يدخل في أي مسجد كان بالإذن ودونه احتجاجا بهذه الآية ، فإنها تدل على أن الكافر يجوز له أن يدخل المسجد خائفا ذاكرا . وبما روي أن رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد ، وبأن الكافر جاز له دخول سائل المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم . ولم يجوزه مالك مطلقا بناء على أن الجنب يمنع من كل مسجد فكذا الكافر بل أولى . وقال الإمام الشافعي : يمنع من دخول المسجد الحرام لقوله تعالى :إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا[ التوبة : 28 ] ثم قال : قد يراد من المسجد الحرام كله كما في قوله تعالى :أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ[ الإسراء : 1 ] وإنما أسرى به من بيت خديجة فيمنع الكافر من دخول الحرام ولا يكون ممنوعا عن سائر المساجد . وكلمة « أو » في قوله : « أو ذلة » بضرب الجزية تقسيم للخزي في الدنيا على حسب انقسام الكفرة فيها ، فإن القتل والسبي في حق أهل الحرب وضرب الجزية في حق أهل الذمة .
قوله : ( يريد بهما ناحيتي الأرض ) إذ لا وجه لإرادة موضع الشروق والغروب بخصوصهما والمقصود من تخصيص كل ناحية من ناحيتي الأرض مع أن الأرض كلها ملك له نسبة كل واحد إليه من حيث إنه تفرد بخلقه وإيجاده . قال الراغب : المشرق والمغرب تارة يقالان بلفظ الواحد إما إشارة إلى ناحيتي الأرض وإما إلى المطلع والمغيب ، وتارة بلفظ الجمع اعتبارا باختلاف المغارب والمطالع كل يوم يقال : شرقت الشمس أي طلعت وأشرقت أي أضاءت ، وذلك إذا كثر شروقها . قوله : ( فإن منعتم إلى آخره ) إشارة إلى أن هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى :وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْمَساجِدَ اللَّهِ[ البقرة : 114 ] الآية والمعنى : أن بلاد اللّه أيها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد اللّه أن تولوا وجوهكم نحو