تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا
العفو ترك عقوبة المذنب والصفح ترك تثريبه .
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم أو قتل قريظة وإجلاء بني النضير . وعن ابن عباس أنه منسوخ بآية السيف . وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 109 ) فيقدر على الانتقام منهم .
شرح
الرضى بما فعلوا لأن ذلك كفر واللّه تعالى لا يأمر به بل المراد بهما إما ترك المقاتلة والإعراض عن الجواب عن مساوىء كلامهم ، وإما حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم لهم من النصح والإشفاق والسداد فيه . وعلى هذا التفسير الأول روي أن الصحابة رضي اللّه عنهم استأذنوا رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام في أن يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بأنفسهم ودعوا المسلمين إلى الكفر فنزلت الآية أي اتركوا قتالهم وأعرضوا عن مكافأتهم حتى يأتي اللّه بأمره أي يحكم بحكمه في بني قريظة بالقتل والسبي ، وفي بني النضير بالإجلاء والنفي . وقال أكثر الصحابة والتابعين : إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد الأمرين : إما الإسلام وإما الخضوع لدفع الجزية بتحمل الذل والصغار . فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[ التوبة : 29 ] إلى قوله :حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ[ التوبة : 29 ] وأورد عليهم أنها كيف تكون منسوخة والحال أن حكمها ليس بمطلق بل هو متعلق بغاية حيث قيد بقوله :حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُوالحكم المقيد بتأبيد أو توقيت لا يصح نسخه والنسخ لا يكون إلا في الحكم المطلق . فإن ورد الدليل لا يكون ناسخا للحكم المتقدم كما في قوله تعالى :ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ[ البقرة : 187 ] بل هو مبين له . وأجيب بأن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا بالشرع لم يخرج ذلك الوارد عن أن يكون ناسخا ويجري مجرى أن يقال :فَاعْفُوا وَاصْفَحُواإلى أن أنسخه عنكم كما أن حكم الكتب السالفة كان مغيّا بأن يسأل نبينا عليه الصلاة والسّلام وكان ظهوره ناسخا . والحاصل أن هذا القدر من التقييد لا ينافي النسخ وإنما ينافيه التقييد بمعنى تعيين وقت الحكم الأول وقوله تعالى :حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِلا يعين وقت العفو فيكون الأمر بالعفو في حكم المطلق فيجوز نسخه . قال الراغب : روي عن ابن عباس : أن هذه الآية منسوخة بآية القتال . وقال غيره : هي غير منسوخة . وهذا الخلاف يرجع إلى اختلاف نظرين وذلك أن كل أمر ورد مقيدا بانتهاء معين أو غير معين فورد الدليل بخلافه يصح أن يقال إنه ليس بنسخ إذ النسخ يكون في الأمر المطلق والحسد أن تتمنى زوال نعمة اللّه عن أخيك المسلم سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أم لا . وقد ذمه اللّه تعالى في كتابه بقوله :أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[ النساء : 54 ] وإنما كان مذموما لما فيه من الاعتراض على اللّه تعالى والإنكار لحكمته زاعما أنه تعالى أنعم على من لا يستحق . والاغتباط أن تتمنى لك ما