أن يتعلق بودّ أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ، أو بحسدا أي حسدا بالغا منبعثا من أصل نفوسهم .
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة .
شرح
استئناف لبيان العلة التي حملتهم على أن يتمنوا ارتداد المسلمين عن الدين الحق . كأنه قيل :
ما حملهم على ذلك التمني ؟ فأجيب : حسدوا حسدا عظيما بالغا إلى أقصى غايته من حيث أنهم كانوا يتوقعون أن تكون الرسالة فيهم لتبقى لهم الرياسة على سائر الناس . إذ الرسل المتقدمة كانوا من بني إسرائيل وبذلك كانوا مفضلين على سائر الناس وكان قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسّلام إذا قاتلوا قوما قالوا : اللهم إنا نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله ، وبالكتاب الذي أنزلته ألا نصرتنا . وكانوا ينصرون فلما جاء النبي عليه السّلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه حسدا وحذرا من زوال رياستهم وما يعود إليهم من أتباعهم السفلة .
قوله : ( أو بحسدا ) معطوف على قوله بود . وفي الحواشي السعدية : وجه تعلقه « بحسدا » أن يكون ظرفا مستقر أي متعلقا بمحذوف هو صفة « لحسدا » أي حسدا كائنا من أنفسهم بمعنى متألفا منبعثا منها ولا يكون مفيدا لأن حسدهم لا يكون إلا من عند أنفسهم ، أو ظرفا لغوا متعلقا « بيود » فتكون « من » ابتدائية إذ الود يبتدئ من عند أنفسهم أي من جهة تشهيهم وأهوائهم لقوله تعالى :وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ[ محمد : 14 - 16 ] وعبّر عن الشهوة الهوى بالنفس لكونها أمارة بالسوء . واعترض على الوجهين بأن قول النحويين هذا الجار متعلق بهذا الفعل يريدون به أن العرب وصلته به واستمر سماع ذلك منهم ، فعلى هذا لا يصح أن يقال قوله :مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْمتعلق به « ود » أو « بحسدا » لأن كل واحد منهما لا يوصل بكلمة « من » فلا يقال : حسدت من الشيء ، ولا وددت منه بل يقال : حسدته . على كذا فيتعين أن يكون متعلقا بمحذوف يكون وصفا « لحسدا » أو وصفا لمصدر « ود » أي حسدا كائنا من عند أنفسهم ، أو ودا كائنا من عند أنفسهم . وأجيب بأن قوله متعلق بود أو حسدا معناه أنه معمول لمعمول أحد الفعلين فكان معمولا له بطريق الإفضاء ، فإن القول بإفضاء عمل الفعل إلى معموله شايع . والتثريب التقريع والتوبيخ . ويقال : عفت الريح المنزل محته ودرسته ، وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى . ومن ترك عقوبة المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث إنه ترك المكافأة والمجازاة وذلك لا يستلزم ترك التقريع باللسان فإنه قد يعفو الإنسان ولا يصفح . ويقال : صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته ومنه قوله تعالى :أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً[ الزخرف : 5 ] وقيل : الصفح أن توليه صفحة وجهك معرضا . وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما