وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
عطف على ف « اعفوا » كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ إلى اللّه تعالى بالعبادة والبرّ .
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ
كصلاة
شرح
لأخيك المسلم من الخير والنعمة من غير أن يزول ذلك عنه ويسمى ذلك منافسة أيضا ومنه قوله تعالى :وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ[ المطففين : 26 ] والمنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة على حسب انقسام النعمة الحاصلة لأخيك إليها فإن تلك النعمة إذا كانت نعمة دينية واجبة التحصيل كالإيمان وفروعه المفروضة والواجبة يجب على المسلم أن يتمنى أن يكون له مثل ذلك . وإن كانت تلك النعمة من التطوعات والفضائل المندوبة كانت المنافسة فيها مندوبة ، وإن كانت من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات . روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « ستة يدخلون النار قبل الحساب : الأمراء بالجور والغرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر والتجار بالخيانة وأهل الرساتيق بالجهالة والعلماء بالحسد » . وقال معاوية رضي اللّه عنه : كل الناس أقدر على إرضائه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة .
قوله : ( واللجأ إلى اللّه بالعبادة والبر ) إشارة إلى أن الأمر بملازمة طاعة اللّه تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله :وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ[ البقرة : 110 ] فإن الخير يتناول أعمال البر كلها إلا أنه خص من بينها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر تنبيها على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند اللّه . فإن الصلاة قربة فيما بين العبد وربه تجمع جميع أفعال الخير وفيها غاية الخضوع والخشوع والقيام بين يديه والمناجاة معه ويستعمل فيها جميع الجوارح الباطنة لما فيها من شغل القلب بالنية والإخلاص ، وإشعاره بالخوف والرضى وإحضار الذهن العقلي بالتعظيم والتبجيل ليكون عمل كل عضو شكرا لما أنعم اللّه تعالى عليه في ذلك والقيام بحقه بقدر الوسع . وكذلك الزكاة فإنها قربة مالية تكون شكرا للأغنياء الذين فضلهم اللّه تعالى في الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سعتهم في صرف الأموال مع أنه تعالى سخر هذه الأرض بما فيها لجميع الخلق لقوله :سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ[ لقمان : 20 ] جميعا ومنه قوله :هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً[ البقرة : 29 ] فألزم اللّه تعالى من يملك صلة من لم يملك ليستووا في الاستمتاع بالسخر لهم . وفيها أيضا تألف القلوب واجتماعها وفيها إظهار الشفقة والرحمة عليهم وذلك يؤدي إلى رحمة اللّه تعالى ، فإن الراحمين يرحمهم أرحم الراحمين . وفي لفظ التقديم إشارة إلى أن المقصود الأصلي والحكمة الكلية في جميع ما أنعم اللّه تعالى به على المكلفين في الدنيا أن يقدموه إلى معادهم ويدخروه إلى يومهم الآجل كما جاء : إن العبد إذا مات قال الناس : ما خلف ؟ وقالت الملائكة : ما قدم ؟ وقال عليه الصلاة والسّلام : « ليس منكم من أحد إلا ومال وارثه أحب إليه من ماله ، مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت » .