أَ لَمْ تَعْلَمْ
الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والمراد هو وأمته لقوله : وما لكم ، وإنما أفرده
شرح
لا ينافي قدمه . والمعتزلة والحنابلة والكرامية اتفقوا على نفي الكلام النفسي وعلى أن كلام اللّه تعالى عبارة عن الألفاظ المركبة من الحروف والأصوات بناء على أن الكلام في الشاهد مركب من ذلك فيكون في الغائب كذلك . ثم اختلفوا فقالت المعتزلة والكرامية : إن الألفاظ المركبة من الحروف والأصوات حادثة بناء على أن مادة تركيبها : وهي الحروف والأصوات ، أعراض حادثة مشروط حدوث بعضها بانقضاء البعض ضرورة امتناع التكلم بالحرف الثاني بدون انقضاء الحرف الأول ، ولا شك في أن حدوثها يستلزم حدوث ما يتركب منها . وقالت الحنابلة : إنها قديمة قائمة بذاته تعالى . وألجأهم إلى القول بقدمها الاعتقاد بامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى حتى قال بعضهم من غاية جهله : إن الجلد والغلاف أيضا قديمان .
واختلف المعتزلة والكرامية بعد اتفاقهما على حدوث كلام اللّه تعالى المركب من الحروف والأصوات . فقالت المعتزلة : إنه غير قائم بذاته تعالى بل بغيره من ملك أو نبي مرسل أو غير ذلك ، ومعنى كونه تعالى متكلما أن يخلق في غيره من الأجسام المذكورة هذه الألفاظ والحروف وإيجاد أشكال الكتابة في اللوح ، وإنما قالوا به هربا من التزام قيام الحوادث بذاته تعالى . وقالت الكرامية : إنه مع حدوثه قائم بذات اللّه تعالى . وجوزوا قيام الحوادث بذاته تعالى بناء على أن المتكلم من قلبه الكلام لا من أوجده كما أن المتحرك من قامت به الحركة . ونحن لا ننكر ما أثبتوه من الكلام اللفظي بل نقول به وبكونه حادثا غير قائم بذاته تعالى ، ولكن نثبت وراء ذلك أمرا آخر وهو المعنى القديم القائم بذاته تعالى ونقول : إن كلام اللّه تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم . ومعنى كونه كلام اللّه تعالى كونه صفة قائمة بذاته تعالى كسائر صفاته الأزلية وبين الكلام اللفظي المؤلف الحادث ، ومعنى كونه كلام اللّه تعالى كونه مخلوقا للّه تعالى ليس من تأليف المخلوقين فظهر أنه لا نزاع بيننا وبين المعتزلة في القول بالكلام اللفظي وبحدوثه ، فاحتاج المعتزلة في حدوثه إلى إقامة الدليل على ما لا نزاع فيه فلا حاجة لنا أن نجيب عن استدلالهم . وما ذكر في صورة الجواب إنما هو لتحرير المبحث وتوضيح المقام . قوله : ( وإنما أفرده ) أي خصه بالخطاب مع أن غيره عليه الصلاة والسّلام داخل في الخطاب أيضا حقيقة بناء على أن المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطبين بما ذكر ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه عليه الصلاة والسّلام ، إذ قد وقف من أسرار ملكوت السماوات والأرض على ما لا يطلع عليه غيره وعلم غيره بالنسبة إلى علمه ملحق بالعدم . وأيضا أن غيره عليه الصلاة والسّلام إنما علموه بتعليمه عليه الصلاة والسّلام إياهم فكان علمه عليه الصلاة والسّلام أقدم من علمهم فللتنبيه على ذلك خصه بالخطاب وبنسبة العلم إليه .