أي نأمرك أو جبريل ينسخها أو نجدها منسوخة ، وابن كثير وأبو عمرو ننسأها أي نؤخرها من النسيء ، وقرىء ننسّها أي ننس أحدا إياها وتنسها أي أنت وتنسها على البناء للمفعول ، وقرأ عبد اللّه ما ننسك من آية أو ننسخها ، وقرأ حذيفة ما ننسخ من آية وننسكها بإظهار المفعولين .
شرح
قيل : « من آية » بيّن المقصود بأنه شيء ينسخ من آية . ولا يجوز أن يكون من آية مفعول « ننسخ » كما ذهب إليه المكي لأن « ننسخ » قد استوفى مفعوله وهو « ما » . قوله : ( أي نأمرك وجبريل ) على أن همزة « أنسخ » للتعدية ويكون المفعول محذوفا يقال : نسخت الشيء بنفسي وأنسخته غيري أي حملته عليه ، كما يقال : كتبته بنفسي وأكتبته غيري . وقوله :
« بنسخها » محمول على حذف المضاف أي إعلام نسخها وتبيينه إذ ليس في وسعهما نسخ الآية بأنفسهما . قوله : ( أو نجدها منسوخة ) على أن لا تكون همزة أفعل للتعدية بل تكون لوجدان مفعوله على صفته كما يقال : أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محمودا أو بخيلا . قال أبو علي الفارسي : قراءة ابن عامر مشكلة لأنه لا يقال : « نسخ » و « انسخ » بمعنى ولا الهمزة معدية ، فلم يبق إلا أن يكون المعنى « ما نجد منسوخا » كما يقال : أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا وأبخلته إذا وجدته بخيلا . قال : وليس يجده منسوخا ، إلا بأن ينسخه ، فتتفق قراءة ابن عامر مع قراءة الباقين في المعنى ، وإن اختال في اللفظ .
قوله : ( وابن كثير وأبو عمرو ننسأها ) بفتح النون والسين وبالهمزة المجزومة من النسأ وهو التأخير . وفي الصحاح : نسأت الشيء نسأ أي أخرته ، وكذلك أنسأته فعلت وأفعلت بمعنى . الأصمعي : أنسأ اللّه أجله ، ونسأ في أجله بمعنى . ولعل المراد من تأخير الآية تأخير إنزالها بأن يتركها في اللوح المحفوظ أو مع الملائكة في السماء ولا ينزلها إلى الوقت المقدر لإنزالها وإن كانت للخلق منافع متعلقة بها . وقد تقرر في الأصول أن المجمل وإن لم يجز أن يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إلى الفعل إلا أنه يجوز أن يؤخر عن وقت الخطاب بدليل قوله تعالى :إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ[ القيامة : 19 ] أمره أولا بأن يتبع قراءة ما قرأه عليه بلسان جبريل عليه الصلاة والسّلام ويكررها إلى وقت ترسخ في ذهنه ، ثم ذكر بيان ما أشكل عليه من معاينه بكلمة « ثم » فعلم أن البيان يجوز كونه متراخيا عن وقت الخطاب إلى الوقت المقدر له إلا أنه تعالى لا يترك العباد قبل ذلك الوقت سدى بل يأتي بما هو خير لهم بالنسبة إلى الآية التي أخّر إنزالها أو يأتي بمثلها في النفع به . فمعنى « أو ننسأها » أو نؤخر إنزالها إلى وقت ثان فنأت بدلا منها في الوقت المتقدم ما يقوم مقامها . قوله : ( وقرىء ننسها ) بنقل « نسي » إلى باب التفعيل فيتعدى الفعل به إلى مفعولين . والتقدير : أو ننسكها أو ننس أحدا إياها ، و « تنسها » على بناء الفاعل ، وخطاب الرسول عليه السّلام و « تنسها » كذلك إلا أنه