واحد منهما كقولك : نسخت الريح الأثر ونسخت الكتاب ، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد
شرح
التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه ليبقى حصول الثواب بقراءتها ، فإن القرآن كما يتلى لحفظ حكمه ليتيسر العمل به يتلى أيضا لكونه كلام اللّه تعالى فيثاب عليه . قيل : النسخ في الشرع عبارة عن رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عن رفعه ، وتقييد الحكم بالشرعي احتراز عن العقلي فإنه ما لم ترد الأدلة الشرعية الناطقة بوجوب العبادات على المكلف يحكم العقل ببراءة الذمة ، ثم إذا وردت يرتفع ذلك الحكم العقلي بذلك الدليل الشرعي المتأخر ولا يسمى نسخا بالإجماع . وتقييد الدليل بالشرعي احتراز عن رفع الحكم الشرعي بالموت ، فإن العبادات وسائر التكاليف الشرعية ترتفع عن الميت بموته ولا يسمّى نسخا . وتقييده بالمتأخر احتراز عن رفعه بالدليل المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية لأنه يكون بيانا لا نسخا .
وذكر صاحب الميزان : أن الحد الصحيح أن يقال هو بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي في تقدير أوهامنا استمراره بطريق التراخي ، فتقييد الحكم بالمطلق احتراز عن الحكم المقيد بتأبيد أو توقيت فإنه لا يصح نسخه . والشارع لما أطلق الحكم المنسوخ أي بأن لم يبين توقيته وانتهاء . في وقت كذا حين شرع كان ظاهره البقاء والاستمرار بالنسبة إلى البشر لأن إطلاق الأمر شيء يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد فكان نسخه بالنسبة إلى العباد إزالة ورفعا لما كان ظاهر الثبوت ، إلا أنه بالنسبة إلى صاحب الشرع بيان محض لانتهاء الحكم الأول ليس فيه معنى الرفع لأنه كان معلوما عند اللّه تعالى أنه ينتهي في وقت كذا بالناسخ ، فكان الناسخ بالنسبة إليه تعالى بيانا لانتهاء الحكم ، وأما نحن قلما توهمنا الثبوت والاستمرار كان نسخه بالنسبة إلينا رفعا وتبديلا .
وتوصيف صاحب الميزان هذا الحد بالصحة إشارة منه إلى أن تعريفه بالرفع غير صحيح بناء على أن ما ثبت من الحكم في الماضي لا يتصور إزالته ورفعه ، وما في المستقبل لم يثبت بعد فكيف يرفع ويبطل ؟ ولذلك اختار المصنف تعريف صاحب الميزان حيث قال :
« ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد » الخ ، فإن من قال لعبده : اعمل كذا ثم منعه عنه نصف النهار ، كمن قال له بكرة : اعمل كذا إلى نصف النهار . قال بعض الفضلاء المحققين : اعلم أن الأحكام المثبتة في اللوح المحفوظ إما مخصوصة أو عامة والمخصوصة إما أن تختص ببعض الأشخاص وإما أن تختص ببعض الأزمنة ، فالتي تختص بالأشخاص تبقى ببقاء الأشخاص والتي تختص بالأزمنة تنسخ وتزول بانقراض تلك الأزمنة قصيرة كانت كمنسوخات القرآن أو طويلة كأحكام الشرائع المتقدمة ، ولا ينافي ذلك ثبوتها في اللوح إذا كانت فيه كذلك ، والعامة تبقى ما بقي الدهر كتكلم الإنسان واستواء قامته . واعلم أن اليهود وشرذمة من المسلمين أنكروا النسخ زاعمين أن ذلك هو البداء ولا يفعله إلا من يجهل العواقب