تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
بقراءتها أو الحكم المستفاد منهما أو بهما جميعا ، وإنساؤها إذهابها عن القلوب . و « ما » شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية . وقرأ ابن عامر ما ننسخ من أنسخ
شرح
ويتجدد له رأي بعد رأي . فكان القول بجواز النسخ مؤديا إلى القول بجواز البداء على اللّه عز وجل وذلك كفر ، لأن البداء ينشأ عن الجهل بعواقب الأمور فإنه عبارة عن الظهور بعد الخفاء من قولهم : بدا له الأمر الفلاني إذا ظهر له ذلك بعد خفائه قال تعالى :وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا[ الزمر : 47 - 48 ] أي ظهر لهم بعد الخفاء ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . وهذه الشبهة إنما نشأت عن عدم الفرق بين النسخ والبداء وبينهما فرق واضح بناء على أن النسخ في الحقيقة ليس إلا انتهاء مدة الحكم السابق التي هي غيب عن العباد قبله ولو وقت الشارع حكما في ابتداء شرعه بأن قال : شرعت الحكم الفلاني إلى الوقت الفلاني لصح ذلك من غير لزوم بداء ، فكذا إذا بيّن أمرا متراخيا عن زمان شرعه بإنزال ناسخه بعده مع علمه في الأزل بأن تكليف العباد بذلك الحكم ينتهي في ذلك الوقت ، وأنهم مكلفون بعده بحكم آخر ، وليس يلزم على هذا شيء من البداء إذ لم يظهر للشارع رأي متجدد . وانتظام هذه الآية بما قبلها أنه تعالى قال أولا :وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ البقرة : 105 ] ثم بيّن بهذه الآية أن من جملة فضله نسخ الآية بخير منها أو مثلها رحمة على هذه الأمة . ويمكن أن يقال : إنه تعالى لما أخبر المسلمين أن أضدادكم لا يحبون أن ينزل عليكم من خير من ربكم بيّن أن من جملة الخير المنزل ما نزل بالنسخ لتبدل المصالح . فكما أن الطبيب المباشر لإصلاح البدن يغير الأغذية والأدوية بحسب اختلاف الأمزجة والأزمنة ، كذلك الأنبياء المباشرون لإصلاح النفوس يغيّرون الأعمال الشرعية والأحكام الخلقية التي هي للنفوس بمنزلة العقاقير والأغذية للأبدان . فإن أغذية النفوس وأدويتها هي الأعمال الشرعية والأخلاق فيغيرها الشارع على حسب تغيّر مصالحها ، فكما أن الشيء يكون دواء للبدن في وقت ثم قد يكون داء في وقت آخر كذلك الأعمال قد تكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت . والكفرة لا يعرفون الحكمة في تغيير التكاليف ونسخ الأحكام فينكرونه ويقولون إنه بداء لا يليق بشأن من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة . ويستدلون بذلك على أنه عليه الصلاة والسّلام مفتر على اللّه تعالى في قوله : القرآن كلام اللّه بل هو كلام يقوله من تلقاء نفسه ولا يعلمون أن كل واحد من ناسخه ومنسوخه خير محض وحكمة بالغة في وقته . واعلم أيضا أن الناسخ على الحقيقة هو اللّه تعالى ويسمّى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا في الإسناد بناء على أن النسخ من اللّه تعالى يقع به ، والمنسوخ هو الحكم المزال ، والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف . قوله : ( وما شرطية الخ ) « ومن آية » في موضع نصب على التمييز من « ما » الشرطية لأنه شائع لا يدري من أي شيء هو ، فلما
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 220 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين