ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
نزلت لما قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه ؟ والنسخ في اللغة إزالة الصورة
شرح
في الحكمة شكرهم ومن قضى حقا واجبا عليه لا يستحق الجزاء على صاحب الحق إذ لو استحقه لخرج ما فعله من أن يكون إفضالا بل يكون من باب المعاوضة ، لكنه تعالى أثابهم بالجنة وأخلدهم فيها تفضلا وإحسانا . وقوله تعالى :وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ البقرة : 105 ] حجة لنا على المعتزلة أيضا فإن المفضل عند الخلق هو الذي يعطي ويبذل ما ليس عليه إذ الذي يعطي ما عليه يكون قاضيا مفضلا ولو كان يجب عليه فعل الأصلح لكان المناسب أن يقول : « ذو العدل » بدل قوله : « ذو الفضل » وقوله : « إشعار بأن النبوة » أي الاستنباء وإيتاء النبوة بعض من الفضل كما يدل عليه قوله تعالى :إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً[ الإسراء : 87 ] ووجه الإشعار أنه جعل هذه الآية تذييلا لما سبق عليها وتأكيدا له وقد علم أن الخير والرحمة المذكورة فيها متناول النبوة ، فلما كان جميع ما نزل عليهم من الخير والرحمة فضلا إلهيّا لزم أن تكون النبوة بعضا من الفضل .
قوله : ( نزلت لما قال المشركون أو اليهود ألا ترون الخ ) يريدون الطعن في الإسلام وتوهين عزيمة من أراد الدخول فيه يقولون : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ، كما أمر في حد الزنى بإيذائهما باللسان حيث قال :فَآذُوهُما[ النساء : 16 ] ثم جعله منسوخا وأمر بإمساكهن في البيوتحَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا[ النساء : 15 ] ثم جعله منسوخا بقوله :فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ[ النور : 2 ] فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولهذا ناقض بعضه بعضا كما أخبر اللّه عنهم ذلك بقوله :وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ[ النحل : 101 ] قال الراغب :
النسخ في اللغة إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره كنسخ الظل الشمس ، ثم يقال في إزالة الصورة من غير إثباتها في غيره نحوفَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ[ الحج : 52 ] ويقال أيضا في إثبات مثل تلك الصورة في الغير من غير إزالتها عن الأول كنسخ الكتاب وهو إثبات مثل ما فيه في محل آخر . وأصحاب التناسخ قوم زعموا أن النفوس تنتقل من هيكل إلى آخر إن كانت محسنة انتقلت إلى هيكل متنعمة فيه ، وإن كانت مسيئة فإلى هيكل معذبة فيه . إلى هنا كلامه . فقوله : « كنسخ الظل » من إضافة المصدر إلى مفعوله فإن الشمس تزيل صورة الظل عن محل وتثبتها في غيره ، وكذا التدبير الإلهي يزيل النفس الإنساني من بدن شخص ويثبتها في بدن شخص آخر مناسب لحالها . وضمير « منهما » في قول المصنف : « ثم استعمل لكل واحد منهما » راجع إلى الإزالة والإثبات وقوله :
« نسخت الريح الأثر » مثال لاستعماله لمجرد إزالة الصورة عن المحل من غير إثباتها في