يستنبئه ويعلّمه الحكمة وينصره لا يجب عليه شيء وليس لأحد عليه حق .
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
( 105 ) إشعار بأنّ الفضل من النبوة وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته .
شرح
قوله : ( يستنبئه ) أي يجعله نبيا . هذا على أن يفسر الخير بالوحي ويعلمه الحكمة على أن يفسر بالعلم والأخير على الأخير . وأشار بالواو الجامعة إلى ما اختاره من تعميم الخير بجميع ما ذكر من التفاسير ، وبتفسير الرحمة بما ذكره إلى أن المراد بالرحمة هو المراد بالخير فيكون ذكر الرحمة من قبيل إقامة المظهر مقام المضمر من غير لفظه السابق ليؤذن بأن الخير هو عين الرحمة ، وكذا لفظة اللّه في قوله :وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُأقيم مقام ضمير « ربكم » ليؤذن بأن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض ملائم للألوهية ، كما أن إنزال الخير على العموم مناسب للربوبية . كذا في حاشية شرف الدين الطيبي رحمه اللّه تعالى .
قوله : ( لا يجب عليه شيء وليس لأحد عليه حق ) كما ذهب إليه المعتزلة فإنهم أوجبوا عليه تعالى أشياء منها : اللطف وفسروه بأنه الفعل الذي يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية من غير أن يبلغ حد الإلجاء كبعثة الأنبياء عليهم السّلام ، فإنّا نعلم بالضرورة أن الناس معها أقرب من الطاعة وأبعد عن المعصية . ومنها ما هو الأصلح للعبد في الدنيا ، ومنها الثواب على الطاعة فإنهم يقولون : إن العبد يستحق الثواب على اللّه بالطاعة فالإخلال به قبيح وهو ممتنع على اللّه تعالى فإذا كان تركه ممتنعا كان الإتيان به واجبا . وأوجبوا التسوية بين المكلفين في الألطاف وفي سائر ما يتوصل به إلى مصالح الدين وقالوا : ترك ذلك جور وظلم وما هوبِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[ آل عمران : 182 ] وآيات أخرى . فوجب عليه أن يفعله . وحجتنا عليهم قوله تعالى :وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُورحمة اللّه تعالى لعباده إنعامه عليهم وعفوه عنهم ، فلما علقها اللّه بمشيئته ظهر بطلان مذهبهم . وما وقع في عبارة مشايخنا في حق بعض الأشياء أنه واجب في الحكمة يعنون به أنه ثابت متحقق لا محالة في الوجود ، ولا يتصور أنهم يعنون أنه يجب عليه ذلك بإيجاب موجب . فجعلوا جزاء الكفر عدلا واجبا في الحكمة لا من حيث العقل نفسه لقصوره عنه بل بالسمع حيث أخبر اللّه تعالى بقوله :أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ[ الجاثية : 21 ] إذ التسوية بين العدو والولي من الحكم السئ والحكم السئ ليس من العدل في شيء ، فكان اتصافه تعالى به يوجب النقص في ذاته فإنه مناف للألوهية ، فيجب القول بكونه واجب الوجود في الحكمة . وجعلوا ثواب الطاعات والخيرات من قبيل الإحسان والإفضال ابتداء لأنه إذا لم يعط الأصلح لعبده المطيع ولم يحسن إليه لا يصير ظالما بل يكون ذلك منه عدلا ، لأن الطاعات واجبة على العباد شكرا لما أنعم اللّه تعالى عليهم ولازم