تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ
[ البينة : 1 ]
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
مفعول يودّ ومن الأولى مزيدة للاستغراق ، والثانية للابتداء وفسّر الخير بالوحي . والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبّون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة ولعلّ المراد به ما يعمّ ذلك .
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
شرح
الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب والمشركون بدليل ما ذكره من الآية ، فكأنه قيل : ما يود الذين كفروا وهم أهل الكتاب والمشركون فبيّن أن الذين كفروا باق على عمومه وأن المراد كلا نوعيه جميعا . والمعنى : أن الكفار أجمعين لم يحبوا ذلك ، أما أهل الكتاب فلفوات العزة والرياسة في الدين وما يتصل به من منافع الدنيا عنهم بسببه لو آمنوا بكونها لقريش ولما في ذلك من هتك أسرارهم وإظهار خياناتهم في الدين بإخباره أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ، وأنهم كانوا كتموا ما في كتبهم وبدلوا كثيرا حيث قال :فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ[ البقرة : 79 ] وأما المشركون فإنهم لم يحبوا ذلك لتضمنه الخروج عن الأمر المعتاد وترك ما مضى عليه توارث سلفهم مع حبهم تقليد آبائهم واتباع آثارهم فكانوا يكرهون مخالفة السلف ، ولما في ذلك من فتح باب الطعن على أسلافهم بالضلالة والعمي وتسفيه أحلامهم ، إذ متى تبين لهم أنه على الحق ظهر كونهم على الباطلفَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ[ يونس : 32 ] ولأنهم جبلوا على الكبر والعتو والعناد والاتباع للحمية الجاهلية حيث قالوا :لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً[ الفرقان : 21 ] فلذلك ظنوا بأنفسهم أنهم المستحقون للرياسة كما قال تعالى خبرا عنهم :لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[ الزخرف : 31 ] أحدهما نعيم بن مسعود الثقفي بالطائف وثانيهما الوليد بن المغيرة بمكة لعنة اللّه عليهما . فظهر بما قررنا أن قوله : « ولا المشركين » معطوف على « أهل الكتاب » فلذلك جر ولو كان على قوله : « الذين كفروا » لقيل : « المشركون » بالرفع ولو كان « من » لتبعيض مدخوله لاستلزم أن يكون المشركون ضربين كافرا وغير كافر كما أن أهل الكتاب ضربان وليس كذلك . قوله : ( ومن الأولى مزيدة للاستغراق ) أي لتأكيد العموم والاستغراق المستفاد من كون « خير » نكرة واقعة في سياق النفي بواسطة وقوع عامله في سياق النفي لأن خيرا فاعل « أن ينزل » وهو في محل النصب على أنه مفعول « يود » الداخل عليه « ما » النافية وبواسطته يكون خيرا أيضا واقعا في سياق النفي فيعم فتفيد « من » الاستغراقية زيادة الاستغراق فليست زائدة زيادة محضة بل إنما يؤتى بها لفائدة زائدة على أصل المعنى ، وذلك لا ينافي كونها زائدة بالنسبة إلى أصل المعنى يقال : خصه بالشيء واختصه به إذا أفرده به دون غيره . ومفعول « من يشاء » محذوف والمعنى : يفرد برحمته من يشاء إفراده بها .