يتفكرون فيه أو يعلمون قبحه على التعيين أو حقية ما يتبعه من العذاب والمثبت لهم أولا على التوكيد القسمي العقل الغريزي أو العلم الإجمالي بقبح الفعل أو ترتب العقاب من
شرح
السعدية . ويصح أن يكون معطوفا على المعلوم وهو مضمون قوله :لَمَنِ اشْتَراهُالخ ويصح أيضا أن يكون استئنافا بيانا لحال فعلهم .
قوله : ( يتفكرون فيه الخ ) إشارة إلى جواب ما يقال : كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله :وَلَقَدْ عَلِمُوا[ البقرة : 102 ] على سبيل التأكيد القسمي ثم نفاه عنهم في قوله :لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَفإن كلمة « لو » لانتفاء الشيء لانتفاء غيره وأنه تناقض . وتقرير الجواب أنّا لا نسلم لزوم التناقض وإنما يلزم ذلك أن لو كان المثبت والمنفي شيئا واحدا وليس كذلك أما أولا فلأن المثبت لهم هو العقل الغريزي أي الذي يتمكن المرء به من اكتساب العلم بالتفكر والمعنى : لقد تمكنوا من العلم بأن من آثر كتب السحر على كتاب اللّه تعالى لا خلاق له في الآخرة وبقبح شراء النفس لما لهم من العقل الفطري ، إلا أنه عبر عن التمكن من تحصيل الشيء بما يدل على تحققه تنبيها على قوة ذلك التمكن وكماله ، والمنفي عنهم هو التفكر واستعمال ما لهم من العقل ليعلموه بالفعل . وأما ثانيا فلأن المثبت لهم هو العلم الإجمالي بقبح العمل وعدم تعلق النفع به في الآخرة أي بقبح شراء النفس بكتب السحر وبأن لا خلاق لفاعله في الآخرة ، والمنفي عنهم هو العلم بالتفصيل والتعيين أي العلم بأن ما فعلوه بخصوصه من جملة ذلك القبيح الإجمالي الذي هو شراء النفس بكتب السحر وإيثار كتبه على كتاب اللّه تعالى : قال الراغب : والجواب عنه أن المثبت لهم هو العلم بالجملة والمنفي عنهم هو العلم بالتفصيل ، فقد يعلم الإنسان مثلا قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح فكأنهم علموا أن شراء النفس بالسحر مذموم لكن لم يتفكروا في أن ما يفعلونه هو من جملة ذلك القبيح .
وأما ثالثا فلأن المثبت لهم هو العلم بترتب العقاب على فعلهم من غير أن يعلموا حقيقة ذلك العقاب وشدته ، والمنفي عنهم هو العلم بحقيقته وشدته فلا تناقض . قال الفاضل التفتازاني : فإن قيل : إنما يتوجه السؤال أن لو كان متعلق العلم في موضع الإثبات والنفي واحدا وليس كذلك ، فإن المثبت هو العلم بأن من استبدل كتب السحر وآثرها على كتب اللّه تعالى لا نصيب له في الآخرة ، والمنفي هو العلم بسوء ما فعلوه من استبدال كتب السحر وإيثارها على أنفسهم قلنا : مآل الأمرين واحد . انتهى كلامه . يعني أن العلم بمذمومية ما شروا به أنفسهم إنما يحصل بالعلم بعدم تعلق نفع به في الآخرة ، وكذلك العلم بعدم تعلق النفع به في الآخرة إنما يحصل بمذموميته فلما استلزم أحد العلمين ثبوت الآخر كان إثبات أحدهما منافيا لنفي الآخر فاتجه السؤال واحتيج إلى الجواب المذكور .