تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ
لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم يجرّ إلى العمل غالبا .
وَلا يَنْفَعُهُمْ
إذ مجرّد العلم به غير مقصود ولا نافع في الدارين . وفيه أن التحرّز عنه أولى .
وَلَقَدْ عَلِمُوا
أي اليهود .
لَمَنِ اشْتَراهُ
أي استبدل ما تتلو الشياطين
شرح
بأن الجار الذي هو كلمة « من » جزء من المجرور وهو أحد وليسا بكلمتين مستقلتين إحداهما عاملة في الأخرى ليلزم التوارد المذكور ، بل العامل هو المضاف وحده . وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف أي الجار والمجرور وهو « به » بناء على اتساع العرب في الظروف . ونقل عن ابن جني : أن هذه الإضافة من أبعد الشواذ للفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لتأكيد معنى الإضافة . وفيه نظر ، لأنه إنما يصح إذا كانت الإضافة بمعنى « من » كما كانت الإضافة في « أبالك » بمعنى اللام ، وليس كذلك بل هي إضافة لفظية إلى المفعول . قوله : ( أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبا ) والعمل بالسحر كفر يتضرر به المرء في الآخرة وما يجر إلى الكفر الموجب للضرر مضر لا محالة وقصد العمل به كفر فهو أضر من تعلمه من غير أن يقصد به العمل . ثم بالغ في ذم علم السحر ببيان أنه مع كونه مضرا لا نفع فيه أصلا حيث قال :وَلا يَنْفَعُهُمْفإن الشيء قد يكون مضرا من وجه وينفع من وجه آخر وما يكون ضررا محضا يكون في غاية الرداءة . وقوله : « إذ مجرد العلم به » الخ دفع لما يتوهم من أنه كيف يصح أن ينفي عنه النفع بالكلية مع أنه يتوصل بمعرفته إلى الانتهاء عنه وإلى التمييز بين المعجزة وبين السحر فإن كل واحد منهما لا يتأتى بدون العلم به ؟ ووجه الدفع أن تعلم السحر إنما يكون نافعا إذا توسلوا به إلى إقامة الواجب والذي حصل لهم ليس إلا مجرد العلم به ، إذ لم يتوسلوا به إلى ما ذكر بل استعملوه في غير الحق فلم يكن نافعا لهم . وقوله سابقاإِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ[ البقرة : 102 ] وإن دلّ على أن نفس تعلم السحر غير محظور إلا أن توصيفه بأنه يضرهم ولا ينفعهم دل على أن التحرز عنه أولى ، لأنه وإن لم يقصد بتعلمه أن يعمل به إلا أنه كيف يؤمن من أن يجر علمه إلى العمل به ؟ كتعلم الفلسفة فإن من تعلمها وإن كان يقصد بتعلمها إبطال أداتها وتزييف أصولها وقواعدها إلا أنه لا يؤمن من أن لا يتخلص عن بعض ما فيها من الشكوك والشبه فيقع في الغواية والوهم في اعتقاد الحق فالاحتراز عن تعلمها أولى . قوله : ( أي اليهود ) لا الناس الذين يتعلمون السحر . فإن الكلام من قوله :وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ[ البقرة : 101 ] إلى قوله :وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ[ البقرة : 102 ] مسوق لرمي اليهود بالجهل والعناد حيث نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم وتمسكوا بما تتلو الشياطين فصاروا كأنهم اشتروا ما تقرأه الشياطين أو تتبعه بكتاب اللّه .