تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
فمعناه على الأوّل . وما يعلمان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له : إنما نحن ابتلاء من اللّه فمن تعلّم منّا وعمل به كفر ، ومن تعلّم وتوقى عمله ثبت على الإيمان فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به . وفيه دليل على أن تعلّم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور ، وإنما المنع من اتباعه والعمل به . وعلى الثاني ما يعلمانه حتى يقولا إنّا مفتونان فلا تكن مثلنا .
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما
الضمير لما دلّ عليه من أحد .
ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ
شرح
قوله : ( فمعناه على الأول ) أي معنى قولهما :إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌعلى تقدير كون هاروت وماروت عطف بيان للملكين المنزلين لتعليم السحر ابتلاء من اللّه تعالى للناس ، فإن الفتنة حينئذ تكون مصدرا بمعنى الابتلاء والامتحان ، بخلاف ما إذا كانا بدلين من الشياطين فإن المعنى حينئذ إنما نحن مفتونان بارتكاب المحرم فلا تكن أيها الأحد مثلنا . قوله : ( فلا تكفر باعتقاد جوازه ) فإن اعتقاد جواز ما لا يجوزه الشرع كفر ، وكذا العمل بالسحر إذ لا يروى خلاف في كون العمل به كفرا كما نقل عن الحواشي السعدية . والمعتزلة لما أنكروا تحقق السحر ووجوده وكفر من اعتقد جوازه ، فسر الزمخشري قوله تعالى :فَلا تَكْفُرْبقوله : « فلا تتعلم » معتقدا أنه حق فتكفر . وعدل عنه المصنف إلى ما ذكره بناء على أن أهل السنة قالوا : إنه أمر ممكن متحقق حتى جوّزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حمارا أو الحمار إنسانا بأن يخلق اللّه تعالى هذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقي مخصوصة وكلمات معينة . قوله : ( وفيه دليل ) وجه الدلالة ظاهر ، وهو أن الملكين مع كونهما في مقام النصيحة والإرشاد لم ينهيا عن نفس تعلم السحر وإنما نهيا عن اتباعه والعمل به قال الإمام : اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور لأن العلم لذاته شريف ، وأيضا لعموم قوله تعالى :هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ الزمر : 9 ] ولأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة . والعلم بكون المعجزة معجزا واجب وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب فيقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا ، وما يكون واجبا كيف يكون حراما أو قبيحا ؟ انتهى كلامه . وأيضا العمل بالسحر لما كان كفرا منهيا عنه وجب أن يعلم ليمكن التجنب عنه . ولهذا بيّن الفقهاء في كتبهم ألفاظ الكفر . قوله : ( الضمير لما دل عليه من أحد ) وهو الناس . فإن النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم وقوله :فَيَتَعَلَّمُونَمستأنف أو معطوف على قوله تعالى :يُعَلِّمانِوالضمير في منهما « للملكين » أي فيتعلم الناس منهما على تقدير أن يكون هاروت وماروت عطف بيان « للملكين » وأما على تقدير كونهما بدلا من الشياطين يكونفَيَتَعَلَّمُونَعطفا على قوله :