تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فحملتهما على المعاصي والشرك ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فحكي عن
شرح
حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء . قالا : باسم اللّه الأعظم . قالت : فما أنتم بمدركي حتى تعلمانيه . فقال أحدهما لصاحبه : علمها فقال : إني أخاف اللّه . فقال الآخر : فأين رحمة اللّه . فعلماها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء فمسخها اللّه تعالى كوكبا . فذهب بعضهم إلى أنها هي الزهرة بعينها وأنكره آخرون بناء على أن الزهرة في السماء مذ خلقها اللّه تعالى وما فيها من الكواكب السيارات والثوابت ، والزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم اللّه تعالى بها حيث قال :فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ[ التكوير : 15 - 16 ] والتي فتنت هاروت وماروت كانت تسمى زهرة تشبيها لها بها في الحسن والجمال ، فلما بغت مسخها اللّه تعالى شهابا . قالوا : فلما أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعها أجنحتهما ، فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس عليه السّلام فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى اللّه تعالى ففعل ذلك إدريس عليه السّلام فخيّرهما اللّه تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع فهما يعذبان ببابل إلى قيام الساعة . كذا في معالم التنزيل مع زيادة تفصيل فيه . وقال الإمام : إنهما يعذبان ببابل إلى قيام الساعة وهما معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر . ثم قال : وهذه الرواية فاسدة ومردودة غير مقبولة لأنه ليس في كتاب اللّه تعالى ما يدل عليها بل فيه ما يبطلها من وجوه : أولها ما فيه من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة من كل المعاصي . وثانيها أن قوله : « أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة » لا يظهر له وجه بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب ، لأن اللّه تعالى خيّر بينهما من أشرك به طول عمره فكيف يبخل عليهما بذلك ؟ وثالثها أن من أعجب الأمور قوله : « أنهم يعلمان السحر » في حال كونهما معذبين ويدعون إليه وهما يعاقبان على المعصية . ووافقه المصنف في عدم قبول ذلك المروي وإن خالفه في بعض ما تمسك به في ذلك لكونه محل بحث ، وتمسك في عدم قبوله بعدم ابتنائه على دليل يعول عليه بل مداره على اليهود ولو سلم ابتناؤه على دليل معتبر . فيمكن أن يكون قد عبّر عن العقل والروح في الرواية بالملكين ، وعن النفس الأمّارة بالزهرة وخروج العقل والروح عن مقتضى ذاتهما بكونهما مغلوبين بالنفس الأمارة وميلهما إلى ما تدعو إليه النفس بتعشق الرجال للنساء ، وشبه انحطاطهما بذلك عن درجتهما الأصلية وعدم بلوغهما إلى كمالهما المترقب ولذاتهما المتوقعة بحبس المجرم في محبس النصب والتعب . ورمز ذلك إلى أن الرجل وإن كثر خيره وطاعته واتصف بالأخلاق الملكية إذا انقاد إلى نفسه وأطاعها فيما تدعوه إليه تنزل عن سماء السعادة إلى حضيض البهيمية وتكدر هلال أنسه وخمدت نار شوقه ومحبته وحال بينه وبين محبوبه ذي الجلال والجمال حجب ظلمات الأهوال ، وأن