الأصل لما خفي سببه .
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
عطف على السحر . والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو المراد به نوع أقوى منه ، أو على ما تتلو وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من اللّه للناس ، وتمييزا بينه وبين المعجزة .
شرح
اليد أو أصحاب الحيل بمعرفة الآلات والأدوية إن نظر إلى أن له في الواقع أسبابا معلومة من أتى بها على وجهها يترتب عليها تلك الأفعال لا يكون سحرا في الحقيقة ، ويكون تسميته سحرا مبنيا على التجوز تشبيها له بما لا يعلم سببه ، وإن نظر إلى مجرد خفاء سببه كانت التسمية حقيقية .
قوله : ( عطف على السحر أو على ما تتلو الشياطين ) وعلى التقديرين كلمة« ما »في قوله :وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِموصولة منصوبة المحل بالعطف على مفعوليُعَلِّمُونَعلى الأول والكلام في وصف الشياطين ، وعلى مفعولاتَّبَعُواعلى الثاني والكلام في وصف اليهود . والمعنى على الأول أن الشياطين كفروا حال كونهم يعلمون الناس السحر أي كيفية عمله ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا ، وعلى الثاني أن اليهود الذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وفي زمانه واتبعوا أيضا ما أنزل على الملكين في زمان إدريس عليه السّلام . والمراد بالسحر وبما أنزل إما واحد بالذات والعطف لتغايرهما بحسب الوصف والاعتبار كما في قوله :أنا ابن جلا وطلاع الثناياوجلا اسم رجل مسمى بالفعل الماضي أو فعل مذكور على طريق الحكاية ، كأنه قيل :
أنا ابن رجل يقال له جلا الأمور وكشفها . والثنية طريق ومنه قولهم : فلان طلاع الثنايا إذا كان ساميا لمعالي الأمور . أو المراد بما أنزل نوع من السحر فهما متغايران ذاتا والإنزال هنا بمعنى الإلهام والتعليم ، فمعنى قوله :وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِوالذي ألهماه وعلماه وقذف في قلوبهما . كذا في الوسيط والمعالم . وقال صاحب التيسير : ويجوز أن يكون اللّه تعالى أنزل عليهما بيان كيفية السحر ووجوهه بإنزاله على نبي ثم بلغ النبي إليهما ذلك ليصفا وجوه ذلك لقومهما وينهياهم عن استعماله ، وسمّي ذلك إنزالا عليهما بواسطة النبي كقوله تعالى :قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا[ البقرة : 136 ] وخصهما بالذكر مع أن قومهما مقصود بالإنزال والتبليغ لكونهم تبعا لهما وهذا كقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السّلام :اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ[ طه : 43 ] وكانا قد أرسلا إلى فرعون وقومه لكن خص فرعون بالذكر لأنه رئيس قومه ورعاياه اتباع له . قوله : ( وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء وتمييزا الخ ) ذكر في الحكمة الداعية إلى إنزالهما لتعليم السحر أمران : الأول أنه تعالى أنزل السحر عليهما . ثم