شرح
أنزلهما إلى الأرض لتعليمه الناس ابتلاء من اللّه تعالى للناس في الكفر والإيمان . فإن المكلف إذا علم كيفية السحر وأنه يمكن له أن يتوصل بذلك إلى اللذات العاجلة فلا يخلو إما أن يمنع نفسه عن العمل به ابتغاء لمرضاة اللّه تعالى وهربا من عذابه أو اتبع نفسه هواها وباع نفسه بالغرض اليسير العاجل . فعلى الأول يستقر على الإيمان ويستوجب الثواب الزائد ، وعلى الثاني يتجرد عنه ويبقى في العذاب المؤبد فيخرج ما في علم اللّه تعالى إلى العيان كما في سائر طريق الابتلاء والامتحان . وللّه تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر في الطاعة والعصيان حيث قال :إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي[ البقرة : 249 ] ابتلاهم ليظهر المطيع والعاصي . ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى :إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ[ البقرة : 102 ] أي محنة من اللّه تعالى فنخبرك أن عمل السحر كفر باللّه وننهاك عنه فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوت وإن عصيتنا في ذلك هلكت . والثاني أن الحكمة الداعية إلى إنزالهما التمييز بين المعجزة والسحر كما قيل : إن السحرة قد كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبوابا غريبة في السحر وكانوا يدعون النبوة وكانوا يحتجون عليها بما أظهروه من الخوارق المرتبة على السحر فكان الناس يتوهمون أن ما أظهرته السحرة من قبيل آيات الأنبياء عليهم السّلام . فبعث اللّه تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس طرق السحر وأبوابه حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين يدعون النبوة كذبا ولا يغتر بهم أحد لعلمه بوجه احتيالهم . وأيضا العلم بكون المعجزة مخالفة للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة وبماهية السحر والناس كانوا جاهلين بماهية كل واحد منهما وتمييز أحدهما من الآخر فالتبس عليهم الأمر ، فبعث اللّه هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض .
وما كان منهما من تعليم السحر إنما هو على النهي والمنع من ذلك لا على الأمر به والترغيب فيه ، فلذلك جاز تعليم السحر وبيان أنه كيف يكون ومن أي جهة ينفذ فإن الملائكة والأنبياء عليهم السّلام إنما يعلمان ما ينزل عليهم من اللّه تعالى ولم ينزل من اللّه تعالى كفر ولا سحر بل نهى عنهما وتوعد بالعذاب عليهما إلا أن السحر لما كان منهيا عنه وجب أن يكون مقصودا معلوما لأن ما لا يكون معلوما امتنع النهي عنه . فإن الفقيه إذا أراد أن ينهى عن الربا والزنى يصورهما أولا ثم ينهى عنهما فيقول : من أخذ درهما بدرهمين مثلا فقد أربى ، ومن وطئ امرأة الغير فقد زنى فاتق اللّه ولا تفعل شيئا منهما .
وكذا كل من ينهى عن منكر وقبيح من الكفر والسحر ونحوهما فإنه يصوره ويعرفه أولا كيف هو وكيف يفعل فيكون منكرا أو قبيحا ، ثم يمنع من تحصيله ومباشرته إذ لا يتصور