تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم وتسميته سحرا على التجوز أو لما فيه من الدقّة لأنه في
شرح
منقلبون . إلى هنا كلامه . ونعم ما فعل وأوضح للّه دره . وإذا كان لفظ السحر مشتركا بين النوعين المذكورين اندفع ما يتوهم من التدافع بين الآيتين وهما قوله تعالى :وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ[ البقرة : 102 ] وقوله :وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ[ البقرة : 102 ] فإن الآية الأولى تدل على أن تعليم السحر كفر من حيث إن كفر الشياطين جعل مرتبا على تعليم السحر وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، فكأنه قيل : إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر فدلت الآية على أن تعليم السحر كفر وعلى أن نفس السحر أيضا كفر لأن تعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر . والآية الثانية تدل على أن تعليم السحر ليس بكفر لأنه لو كان كفرا للزم تكفير الملكين ، وهو غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون من الكفر وسائر المعاصي . ووجه الاندفاع أن اللفظ المشترك لا يكون عاما في جميع مسمياته فيحمل عمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من نوعي السحر ، والشياطين إنما كفروا لإتيانهم بهذا النوع من السحر وتعليمهم إياه لا النوع الآخر منه . وأما الملكان فلا نسلم أنهما علما هذا النوع بل هما علما النوع الآخر ويؤيده قوله تعالى :فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ[ البقرة : 102 ] ولو سلمنا أنهما علما هذا النوع لكن لا نسلم أن تعليمه مطلقا كفر ، وإنما يكون كفرا إذا قصد المعلم أن يعتقد المتعلم حقيته وكونه مباحا وصوابا . وأما إذا علمه ليحترز المتعلم عنه فهذا التعليم لا يكون كفرا ، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يحترز عنه المكلف كما قال تعالى حكاية عنهماوَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ[ البقرة : 102 ] وأما الشياطين فإن مقصودهم من تعليم الناس السحر أن يعتقدوا حقيته ويعملوا به فظهر الفرق بين التعليمين ، ووجه كون أحدهما كفرا دون الآخر . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم بتشديد « لكن » ونصب « الشياطين » على اسم « لكن » . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي « ولكن الشياطين » بتخفيف « لكن » ورفع « الشياطين » . والمعنى واحد والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن وإذا كان بغير واو كان التخفيف أحسن ، والوجه فيه أن « لكن » بالتخفيف يكون عطفا فلا يحتاج إلى الواو والمشددة لا تكون عطفا لأنها تعمل عمل « إن » كذا في الكبير . قوله : ( أو لما فيه من الدقة ) ودقة الصنعة وخفاؤها بخفاء ما تترتب هي عليه . قال الإمام : ذكر أهل اللغة أن السحر في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه ، وفي عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع . وما يفعله المشعبذ بخفة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 196 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين