شرح
وقراءة الرقي وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق اللّه تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فقد كفر ، والمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوّز ذلك إذ لا يمكن أن يعرف صدق الأنبياء والرسل . وجوابه ما مرّ من أنه تعالى لا يصدق الكاذب في دعوى الرسالة بإظهار هذه الخوارق في يده لئلا يلتبس المحق بالمبطل والكاذب بالصادق ، وإذا لم يدّع النبوة وظهرت هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس ، فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق يحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة .
وأما سائر أنواع السحر فلا شك أنه ليس بكفر . قال أبو منصور قدس اللّه سره :
الأصح أن يقال إن القول على الإطلاق بأن السحر كفرا ولا خطأ بل السحر على نوعين : نوع هو كفر وهو ما يتضمن إنكار ركن من أركان الإسلام ورده ، ونوع ليس بكفر وهو ما يتحقق بدون ارتكاب شيء من الكفر . ثم السحر الذي هو كفر يقتل به الذكور دون الإناث لأن كفر المسلم ارتداد منه والمرتد يستتاب فإن أصرّ قتل ، وارتداد الأنثى لا يوجب القتل ، ويقتل به الذكور دون الإناث فإذا قتل بالسحر لأنه حينئذ يصير ساعيا في الأرض بالفساد يقتل كقطاع الطريق يقتلون إذا قطعوا الطريق بالقتل ، وإن كان لا يكفر به صاحبه فإنه لا يقتل إلا إذا كان قد اعتاد ذلك الفعل وتضرر به الناس سواء كان سحره مما يقتل به أو لا . ذكر عن أبي حنيفة رحمه اللّه في الساحرة روايتان : في رواية تقتل ، وفي رواية لا تقتل . فالرواية التي قال : تقتل محمولة على ما إذا قتلت لسحرها فتكون ساعية في الأرض بالفساد بالقتل فتقتل . والرواية التي قال : لا تقتل محمولة على ما إذا لم يكن سحرها قاتلا فلا تقتل ، وإن كان سحرا يكفر به صاحبه لأنه ارتداد ههنا إذا وجد بعد الإسلام وارتداد الأنثى لا يوجب القتل . وذكر عنه أيضا في الساحر قولان : قول يقتل وقول لا يقتل . فقوله : « يقتل » محمول على السحر الذي هو كفر لأنه ارتداد فيقتل به الذكور أو على السحر الذي ليس بكفر لكنه سبب القتل فيقتل بسبب السعي بالفساد . وقوله : « لا يقتل » محمول على السحر الذي لا يقتل به ولا يكفر صاحبه . ثم الساحر هل تقبل توبته ؟ على كل سواء كان قبل الظفر به أو بعده لأن التوبة من الكفر مقبولة على كل حال وإن كان سحره مما يقتل به المسحور ، فإن تاب قبل القدرة عليه فإنها تقبل كقطاع الطريق وهذا لأن الساحر في قبول توبته أحق لأنه أبلغ في تمييز ما هو حجة مما هو ليس بحجة ليتميز العوام من الكفرة إذ قلما يميزون بين الحجة وما ليس بحجة ، ثم يصح منهم الإيمان ويقبل منهم فهذا أولى . ألا ترى أن سحرة فرعون لما رأوا الآيات آمنوا باللّه تعالى وتابوا توبة لا يقع من المسلم الذي ينشأ على الإسلام مثل ذلك حيث أوعدهم فرعون بقطع الأيدي والصلب وأنواع العذابقالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا[ الشعراء : 50 ]