شرح
وأفعله ولم أقله ولم أفعله » ، وأن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر في البئر فلما استخرج زال عنه عليه السّلام ذلك العارض ، ونزل المعوذتان بسببه . وأنكره بعض المجادلين وقالوا : إن ذلك لو قلنا بصحته لكان يقدح في النبوة . وليس الأمر على ما ظنوا لأن تأثير السحر فيه عليه السّلام لم يكن من حيث إنه نبي وإنما كان في بدنه من حيث إنه إنسان وبشر يأكل ويشرب كما نأكل ونشرب ويمشي ويقعد ويمرض إلى غير ذلك مما للبشر من حيث إنه حيوان ، وإنما يكون ذلك قادحا في النبوة لو وجد للسحر تأثير في أمر يرجع إلى النبوة . ثم إن كونه عليه السّلام معصوما من الشيطان لا يقتضي أن لا يؤثر في بدنه ذلك تأثيرا صغيرا لا يقدح فيه من حيث إنه نبي فقد كان تأثير ذلك في جزء من بدنه تأثيرا محسوسا لم يتعد إلى زوال عقله ولا إفساد نفسه ، كما أن جرحه وكسر ثناياه يوم أحد لم يقدح فيما ضمن اللّه تعالى من عصمته حيث قال :وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ المائدة : 67 ] كما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من ارتداد أهل بلد وغلبة المشركين على بعض النواحي فيما ذكر من كمال الإسلام بقوله :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ[ المائدة : 3 ] ومن الأخبار الواردة في وقوع السحر حقيقة ما روي أن امرأة أتت عائشة رضي اللّه عنها فقالت لها : إني ساحرة فهل من توبة ؟
فقالت : ما سحرك ؟ فقالت : سرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل أتعلم علم السحر فقالا لي : يا أمة اللّه لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا ، فأبيت فقالا لي : اذهبي فبوّلي على ذلك الرماد . فذهبت لأبوّل عليه ففكرت في نفسي فأبيت أن أفعل ، ثم جئت إليهما فقلت : قد فعلت . فقالا لي : اذهبي فافعلي . فذهبت ففعلت فرأيت فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا : هذا إيمانك قد خرج منك فقد أحسنت السحر . فقلت : وما هو ؟ فقالا : لا تريدين شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان . فصورت في نفسي حبا من حنطة فإذا أنا بحب ، فقلت : انزرع . فانزرع فخرج من ساعته سنبلا فقلت : انطحن . فانطحن وانخبز وأنا لا أريد شيئا أصوره في نفسي إلا حصل .
فقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : ليس لك توبة . والحكايات في هذا الباب كثيرة مشهورة . واختلف الناس في أن الساحر هل يكفر أو لا ؟ قال بعضهم : إن كل سحر موجب للكفر ، وهو قول أصحاب الحديث من المتكلمين . وقال بعضهم : غير موجب للكفر . واعلم أنه لا نزاع بين الأئمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالفة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور . فإنه يكون كافرا على الإطلاق . ومن اعتقد أن روح الإنسان تبلغ في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إحياء الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل فقد انحط إجماع الأمة على تكفيره . وأيضا من اعتقد أنه قد يبلغ في التصفية