شرح
الأرضية أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية ، فإن الأرواح السماوية بالنسبة إلى الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشمعة والبحر بالنسبة إلى القطرة والسلطان بالنسبة إلى الرعية ، وهذا النوع من السحر هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن . ومن أنواع السحر التخيلات والأخذ بالعيون ويسمى الشعبذة وهي عمل رجل شعباذ ومبناه على تغليط البصر ، فإن المشعبذ الحاذق بعمل الشيء يظهر ما يشغل الناظرين به ويأخذ عيونهم حتى إذا استفزهم الشغل بذلك الشيء عمل شيئا آخر بسرعة شديدة وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما نظروه فيتعجبون منه جدا ، وهو المراد بقوله : فأما ما يتعجب منه » إلى آخره . والمراد بقولهم : المشعبذ يأخذ العيون أي يأخذ عيون الناظرين وخواطرهم ويجذبها إلى غير الجهة التي يحتال لإظهارها . ومن أنواع السحر الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية ونحوها مثل : فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر ، وكفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد . ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهو أن يجر ثقيلا عظيما بآلة خفيفة ، وهذا النوع لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن له أسبابا معلومة يفقهه من اطّلع عليها ، إلا أن الاطّلاع لما كان عسيرا لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد لا جرم عده أهل الظاهر من باب السحر .
وكان سحر سحرة فرعون من هذا النوع وتسميته سحرا من قبيل التجوز كما أشار إليه المصنف . ومن أنواعه الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية المبلدة المزيلة للعقل نحو دماغ الحمار ، فإن الإنسان إذا تناول منه يزيل عقله ويقل فطنته .
ومن أنواعه تعلق القلب وهو أن يدّعي الساحر أنه يعرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق أن السامع لذلك كان ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل له في نفسه نوع من الرعب والخوف ، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء ، فإن جرب الأمور وعرف الأحوال حصل له العلم بأن للتعلق أثرا عظيما في تنفيذ الكلام وإخفاء الأسرار .
والمعتزلة قد اتفقوا على إنكار هذه الأنواع إلا النوع المنسوب إلى التخييل ، والمنسوب إلى طعام بعض الأدوية المبلدة . وأهل السنة جوّزوا وقوع هذه الأنواع من السحر واحتجوا على وقوعها بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية :وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[ البقرة : 102 ] والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه . وأما الخبر فمنه ما روي أنه عليه السّلام سحر وأن السحر عمل فيه حتى قال : « إنه ليخيل إليّ أني أقول الشيء