تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
شرح
خصوصها كلمات معينة ، فأما أن يكون المؤثر فيها هو الفلك والنجوم فلا . وقد زعم بعض السحرة الأقدمين ممن يعبد الكواكب ويزعم أنها هي المدبرة لهذا العالم ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادات والنحوسة ، وهم الذين بعث إبراهيم عليه السّلام مبطلا لمقالتهم أن المؤثر فيها هو الكواكب وليس بشيء بل المؤثر هو اللّه الخالق البارىء الذي بيده ملكوت كل شيء لأن الأثر يضاف إلى العبد إذا أجرى اللّه العادة بتخليق تلك الآثار عقيب تلك الأفعال في الضمان والوزر ونحو ذلك . ومنهم من يزعم أن ما ترتب على السحر من الأفعال مستند إلى النفس واقع بتأثيرها وأيدوه بأن التصورات النفسانية مبادئ لحدوث الكيفيات في الأبدان ، فإن الغضبان تشتد حرارته حتى قد يتفرع عليها فائدة جليلة . إذ حكي أن بعض الملوك عرض له فالج فأعيى الأطباء مداواته وعلاجه ، فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام فزالت تلك العلة المزمنة والعارضة المهلكة . وإذا جاز كون التصورات النفسانية مبادئ لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادئ لحدوث الحوادث خارج البدن ، لا سيما إذا كانت قوية مجردة عن التعلق بهذه اللذات البدنية والانقطاع عن المألوفات والمشتهيات وتقليل الغذاء والانقطاع عن مخالطة الخلق وعن الأحوال الجسمانية بالكلية ، فإنها حينئذ يزداد اتصالها بها من غير أن تستعين في أفعالها ومناسباتها بالأرواح السماوية فتقوى على التأثير بحسب اتصالها بها من غير أن تستعين في أفعالها بالآلات والأدوات ، بخلاف ما إذا كانت ضعيفة بالاشتغال بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات فلا يكون لها حينئذ تصرف إلا في هذا البدن باستعانة القوى والآلات . فإن النفوس الناطقة إذا صارت صابرة عن اللذات البدنية وصارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية والنفوس الفلكية فتستضيء هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة . وقد اجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة وأجمعوا على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل البركة عديم الأثر فدل ذلك على أن للنفوس آثارا . ومنهم من يزعم أن ما يترتب على السحر من الأفعال يصدر عن النفس بالاستعانة من الأرواح الأرضية وهي الجن ، وإن أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة ، لكن أكابر الفلاسفة أنكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية وهي في أنفسها مختلفة منها خيرة ومنها شريرة ، فالخيرة هم مؤمنو الجن والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم وقالوا : اتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية إذ يحصل بالرقي وتدخين بعض الأدوية وتجريدها عن بعض مألوفاتها ، إلا أن القوة الحاصلة للنفس بسبب اتصالها بهذه الأرواح