يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس ، فإنّ التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا تميّز الساحر عن النبيّ والوليّ .
شرح
بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً[ الأنعام : 112 ] . قوله : ( وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي ) أي وبكون السحر لا يستتب أي لا يستقيم إلا لمن يناسب الشيطان الخ ، وهو جواب الجمهور عن إنكار المعتزلة تأثير السحر في قلب الأعيان وتغيير الأشكال والألوان حقيقة وإنما هو مجرد تمويه وتخييل للعقيدة محتجين في ذلك بأنه لو أمكن للساحر أن يأتي بما لا يستقل به الإنسان من الخوارق لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات ، إذ لا يمكن لنا حينئذ أن نقطع بهذه الخوارق التي ظهرت على يد الأنبياء عليهم السّلام أصدرت عنهم بتأييد اللّه تعالى إياهم أم أنهم أتوا بها من طريق السحر بمعونة الشياطين ؟ وإذا لم يمكن الاستدلال بالمعجزات على صدق الأنبياء فبأي طريق يتوصل إلى معرفة صدقهم ؟ وبأي طريق يتميز أصحاب الكرامات من السحرة الكفار ؟ ولذا ثبت أن السحر لا يثبت إلا من كل مشرك خبيث في نفسه شرير في طبعه متدنس في بدنه . فلذلك قيل : أكثر من يعمل السحر هم اليهود وعبدة الأصنام وحيض النساء ، وأنهم لا يعملونه إلا في الأمكنة القذرة على الهيئات القبيحة وأن سحرهم متى قوبل بالاستعاذة باللّه تعالى وبذكره بطل سلطانه ، وأما ما كان من الأنبياء والأولياء فلا يكون إلا من مؤمن مخلص في إيمانه مقدس في نفسه خير في طبعه طاهر في بدنه ويزداد ما كان منهم بازدياد تقربهم إلى اللّه تعالى . فقد استبان الفرق بذلك واضمحل الإشكال . وأيضا يفرق بينهم بأن الإنسان لو ادّعى النبوة وكان كاذبا في دعواه فإنه لا يجوز على اللّه تعالى أن يظهر هذه الخوارق على يده لئلا يحصل التلبيس بين الحق والباطل ، وأما إذا لم يكن يدّعي النبوة وظهرت هذه الأشياء على يده فإن ذلك لا يفضي إلى التلبيس بناء على أن المحق يتميز من المبطل لما أن المحق يحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا يحصل له هذه الأشياء مع ادعائها . وفي الحواشي السعدية : السحر هو مزاولة النفوس الخبيثة لأفعال وأقوال يترتب عليها أمور خارقة للعادة ، ولا يروى خلاف في كون العمل به كفرا وعده نوعا من الكبائر مغايرا للإشراك لا ينافي ذلك لأن الكفر أعم والإشراك نوع منه . انتهى . وروي عن ابن قاضي سماوة أنه قال : قوله : « لا يروى خلاف في كون العمل به كفرا » شهادة على النفي فلا تقبل مع أنه قد روي عن الأئمة الحنفية : أن الساحر لا يكفر بعمله ما لم يعتقد تأثيره ، وعن الإمام الشافعي : لا يكفر ما لم يعتقده مباحا وإذا كان العمل به كفرا يكون تعلمه للعمل به كفرا أيضا وتعلمه للاجتناب عنه ليس بكفر .
وجوّز أهل السنة أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الحمار إنسانا والإنسان حمارا إلا أنهم قالوا : إن اللّه تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر في