تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
أي عهده . وتتلو حكاية حال ماضية . قيل : كانوا يسترقون السمع ويضمّون إلى ما سمعوا أكاذيب ويلقونها إلى الكهنة وهم يدوّنونها ويعلّمون الناس ، وفشا ذلك في عهد سليمان حتى قيل : إن الجن يعلمون الغيب وإن ملك سليمان تم بهذا العلم وإنه تسخّر به الجنّ والإنس والريح له .
شرح
وأنه ما وصل إلى ما فيه من الملك إلا بسبب هذه الأشياء ، فهذا ما يتلوه الشياطين على ملك سليمان أي ما يكذبونه في حق ملكه . فإن كلمة « على » إذا تعلقت بالقول وما في معناه يراد به الكذب قال اللّه تعالى :وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ[ آل عمران : 75 ]وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 169 ] فإذا قيل : تلاعنه فهو للصدق وإذا قيل : تلا عليه فهو للكذب . واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخفيا فيما بين الناس لارتفع الوثوق من جميع الأشياء وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان ، فإن قيل : إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله من شياطين الجن ؟ قلنا : الفرق أن الذي يفتعله الإنسان لا بد وأن يظهر في بعض الوجوه ، وأما لو جوزنا مثل هذا الافتعال من الجن وهو أن تزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان عليه السّلام فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفيا فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان . كذا قال الإمام في تفسيره الكبير . قوله : ( أي عهده ) أي عهد ملكه على حذف المضاف ، وكون العهد بمعنى الوقت والزمان . وفي الكشاف : على ملك سليمان أي على عهد ملكه وفي زمانه . وقال النحرير التفتازاني نور اللّه مرقده : يعني أن الكلام على حذف المضاف وأن كلمة « على » ليست صلة للتلاوة بل هي من قولهم : كان هذا على عهد فلان أي في وقته وزمانه . انتهى كلامه . يريد أن كلمة« عَلى »في الآية بمعنى « في » بناء على أن الملك ليس مما يصح أن يقرأ عليه شيء وكذا العهد المقدر لا يقرأ عليه كما يقرأ على الأستاذ ، فلذلك جعل« عَلى »بمعنى « في » الداخلة على الزمان كما تكون بمعنى « في » الداخلة على المكان في قولهم : قرأت على المنبر . فيكون المعنى : فاتبعوا ما تتلو الشياطين على الناس في عهد ملك سليمان وفي زمانه . قوله : ( وتتلو حكاية حال ماضية ) بأن يقدر الفعل الماضي المستغرب واقعا في الحال ليتعجب المخاطب منه ، وإلا فالمقام يقتضي أن يقال : ما تلت الشياطين . قوله : ( حتى قيل إن الجن يعلمون الغيب ) بناء على أن ما استرقوه من الملأ الأعلى وألفوه إلى الكهنة غيب في حق البشر من حيث إنه لا يدرك بالحس ولا تقتضيه بديهة العقل ولم ينصب دليل يدل عليه ، فيكون غيبا بالنسبة إلى البشر وإن كان من قبيل المسموع في حق الجن .