شرح
وبعد خروج نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا عن الكل ، فكانوا يصعدونها ويسترقون السمع ثم يهبطون ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس ، وكان ذلك سحرا تلاه الشيطان وتبعه بعض الناس وتعلمونه منهم . فإنه تعالى لما سخرهم لنبيه سليمان عليه السّلام حتى كانوا بين أظهر البشر ظاهرين ألقوا السحر على بعض من كان في عهد سليمان وعلموهم ولم يكونوا يظهرونه للعامة خوفا من سليمان ، فلما توفي عليه السّلام رووا ذلك عن سليمان بعد وفاته وادعوا أنه علم سليمان الذي ملك به ما ملك وسخر له ما سخر من الإنس والجن والريح التي تجري بأمره ، وأمروا الناس أن يتعلموه فأنكر عليهم علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم وقالوا : معاذ اللّه أن يكون هذا من علم سليمان عليه السّلام ، وأما السفلة فقالوا : هذا من علم سليمان وإنه كان ساحرا فأقبلوا على تعلمه ، ورفضوا كتب أنبيائهم إيثارا لرياسة الدنيا ونعيمها على ثواب الآخرة وسعادتها وعملوا به إلى عهد رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ذما لهم وردا عليهم فيما زعموا أنه من علم سليمان عليه السّلام وأنه كان ساحرا وإظهارا لبراءة سليمان مما زعموه فإن كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا . واليهود ما كانوا يقرون بنبوته عليه السّلام بل كانوا يقولون : إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر وإن قوام ملكه كان به . وقوله تعالى : وما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَأي زمان ملكه مبني على أنهم إنما دونوه وتلوه في زمان ملكه . وقيل : إن الشياطين ابتدعت كتبا من السحر ثم أفشته في الناس وعلمته إياهم فلما سمع ذلك سليمان عليه السّلام تتبع تلك الكتب وجمعها وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيه كراهة أن يتعلمها الناس ويعلموا بما فيها وقال : لا أسمع أحدا يقول إن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه . فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها وعلموها الناس وأخبروهم أنه علم كان سليمان يكتمه ويستأثره ، فبرأه اللّه تعالى من ذلك على لسان نبينا عليه السّلام بقوله :وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوابكتب السحر وتعليمه والعمل به . فإن قوله تعالى :يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَفي محل النصب على أنه حال من ضميركَفَرُوا. وأما الذين حملوه على شياطين الإنس فقالوا : روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه اللّه تعالى بها تحت سرير ملكه حتى إذا هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون ، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ثم بعد اطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنها من عمل سليمان فإنه كان يعمل بما فيها ،