تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
ولا تستبدلوا بالإيمان بها والاتباع لها حظوظ الدنيا فإنها وإن جلّت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك
شرح
قوله : ( ولا تستبدلوا بالإيمان بها ) أي بآياتنا حظوظ الدنيا . قد مر أن الاشتراء في الأصل بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان ، فوجب أن يكون كل واحد من العوضين مالا متقوما وههنا ليس شيء منهما مالا فضلا عن أن يكون متقوما . فإن ما بذلوه وأعرضوا عنه وهو الإيمان بالآيات ليس بمال وكذا ما حصلوه به من حظوظ الدنيا من الرياسة والجاه وإقبال الخلق ، فلا يكون إطلاق لفظ الاشتراء على معاملتهم على سبيل الحقيقة بل هو من قبيل الاستعارة حيث شبه بذل ما في يدهم من الإيمان بالآيات والإعراض عنه محصلا به حظوظ الدنيا باشتراء المبيع بالثمن لوجود معنى الاستبدال فيهما ، ثم استعير لفظ الاشتراء للاستبدال المذكور استعارة أصلية ، ثم اشتق من الاشتراء بهذا المعنى المجازي لفظوَلا تَشْتَرُوافكان استعارة تبعية بمعنى ولا تستبدلوا . وأيضا قد شبهت حظوظ الدنيا بالثمن فأطلق عليها لفظ الثمن استعارة أصلية ومع ذلك هو ترشيح للاستعارة المذكورة . وقوله :وَلا تَشْتَرُواليس حكمه حكم الاشتراء من جميع الوجوه حتى يقال : حق الباء أن تدخل على الثمن لأن الثمن لا يشتري بل يشترى به ، فإن فعل الاشتراء الحقيقي لا يتعدى بنفسه إلى المأخوذ المحصل ويتعدى إلى المبذول المعوض عنه بالباء ، فحقها أن تدخل على الثمن وههنا لم تدخل عليه بل لا وجه لهذا القول أصلا لأن حظوظ الدنيا ليست بثمن بذلوه لتحصيل الإيمان بالآيات بل الأمر بالعكس فإنهم بذلوا ما في يدهم من الإيمان بها لتحصيل تلك الحظوظ . فحق الباء أن تدخل على الآيات كما في النظم وجعل الإيمان بالآيات بمنزلة ما حصل في يدهم باعتبار تمكنهم منه وقدرتهم عليه من حيث كونهم عقلاء متفكرين متمكنين من النظر والاستدلال ، وقد نصب لهم دلائل واضحة مؤدية إلى الإيمان . وقدر المصنف لفظ الإيمان في قوله تعالى :وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِيحيث قال : « ولا تستبدلوا بالإيمان بها » إذ لا معنى للنهي عن استبدال بنفس الآيات تلك الحظوظ إذ لا قدرة لهم على التصرف في نفس الآيات . والذي يفهم من تقرير الإمام محيي السنة أن يكون المقدر ههنا لفظ الإظهار والبيان وأنه يراد بقوله تعالى :بِآياتِيالآيات الواردة في التوراة في حق نبينا عليه الصلاة والسّلام من بيان اسمه وأوصافه ومعرفته ، فيكون المعنى والتقدير : ولا تتبدلوا بإظهار تلك الآيات وبيانها عرضا يسيرا من الدنيا ، فإن عبارة معالم التنزيل هكذا ،وَلا تَشْتَرُواأي لا تتبدلوابِآياتِيببيان صفة محمد عليه الصلاة والسّلامثَمَناً قَلِيلًاأي عرضا يسيرا من الدنيا . وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل عام شيئا من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا من أن