تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
فإن قيل كيف نهوا عن التقدّم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب ؟ قلت : المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر كقولك : أمّا أنا فلست بجاهل . أو ولا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة . وأوّل أفعل لا فعل له وقيل : أصله أوأل من وأل فأبدلت همزته واوا تخفيفا غير قياسي أو أأول من آل فقلبت همزته واوا وأدغمت .
شرح
لا يدل على وجود عمد لا نراها وكذا في قوله تعالى :وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا[ البقرة : 41 ] فإنه لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير ، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوما احتاج إلى أن يجعل أول زائدا وقال : تقديره ولا تكونوا كافرين به وهذا ليس بشيء . وقال بعضهم : إن ثمة معطوفا محذوفا تقديره : ولا تكونوا أول وآخر كافر به . واقتصر على ذكر المعطوف عليه لكونه أفحش وتصريح النهي عنه احذر . قوله : ( فإن قيل كيف نهوا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب ) يعني أن النهي عن الشيء يقتضي أن يكون إتيان ذلك الشيء متصورا . وأول من كفر به كفار قريش وهو عليه السّلام بمكة ثم لما قدم المدينة وبها بنو قريظة والنضير كفروا به ، ثم تابعهم سائر اليهود على ذلك الكفر وبعد ما سبقهم أحد في الكفر لا يتصور تقدمهم فيه حتى يتصور النهي عنه ، فإن العبد لا ينهى عما ليس بمقدور له فلا يقال : لا تصعد السماء . وأجاب عنه : أولا بأن ما ذكرتم إنما يرد إذا كان المراد بصورة النهي معناه الحقيقي وليس كذلك بل المراد التعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من آمن به لمعرفتهم به وبصفته لذكرهما في التوراة والإنجيل ، وثانيا بأن سلمنا أن المراد به معناه الظاهر لكن لا نسلم أن المعنى لا تكونوا أول من كفر به أي من كفر به كائنا من كان بل المعنى لا تكونوا أول من كفر به من أهل الكتاب ، فإنهم لما كفروا به وكانوا أول من كفر به من بني إسرائيل نهوا عن الإصرار عليه ، ولا ينافي ذلك أن يسبقهم كفار قريش في الكفر . وثالثا بأن ذلك إنما يراد إذا كان الضمير المجرور في « به » راجعا إلى قوله : « ما أنزلت » ولا نسلم ذلك إذ يجوز أن يرجع إلى قوله : « ما معكم » والمعنى : ولا تكونوا أول كافر ممن كفر بما معه من التوراة والإنجيل . ورابعا بأنّا سلمنا أن الضمير المجرور راجع إلى « ما أنزلت » لكن الكلام محمول على حذف المضاف بقرينة المقام والتقدير : ولا تكونوا مثل أول كافر به وهم مشركو العرب أي أنتم تعرفونه بذكره في كتابكم فلا تكونوا مثل من لم يعرفه من المشركين الذين لا كتاب لهم . وههنا وجوه أخر منها : أن المعنى : ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل ، ومنها أن المعنى : ولا تكونوا أول من كذبه عند سماعكم بذكره .