تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وَراءَ ظُهُورِهِمْ
مثّل لإعراضهم عنه رأسا بالإعراض عما يرمى به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه .
كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 101 ) أنه كتاب اللّه يعني أنه علمهم به رصين يقين ولكن يتجاهلون عنادا . واعلم أنه تعالى دلّ بالآيتين على أن جلّ اليهود أربع فرق فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلّون المدلول عليهم بقوله :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 100 ] وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي
شرح
قوله : ( مثل لإعراضهم عنه رأسا ) حيث شبه تركهم كتاب اللّه وإعراضهم عنه بحال شيء يرمي به وراء الظهر . والجامع عدم الالتفات إليه وقلة المبالاة به ثم استعمل على سبيل الاستعارة ما كان مستعملا هناك وهو النبذ وراء الظهر . قال الإمام الواحدي رحمه اللّه : يقال لكل من استخف بشيء ولم يعمل به : إنه نبذه وراء ظهره . وقال الشعبي : هو بين أيديهم يقرؤونه لكن نبذوا العمل به . وقال سفيان بن عيينة : أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه . فذلك النبذ دل كلامهما على أن نبذ الكتاب ليس حقيقة وأن المراد به نبذ العمل به ، والعمل إنما يكون منبوذا وراء الظهر بطريق الاستعارة المذكورة وتفسيرهما بذلك مبني على أن يراد بكتاب اللّه التوراة كما هو الأقرب المختار . قوله : ( علمهم به رصين إلى آخره ) إما نفس علمهم بكونه كتاب اللّه تعالى يستفاد من قوله تعالى :كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَفإن ذلك لا يقال إلا في حق من يعلم ، وإما كون ذلك العلم رصينا محكما كائنا على وجه الإيقان . فإنه يستفاد من وضع الظاهر موضع المضمر حيث قال :مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَموضعمِنْهُمْفإنه يدل على أنهم يتدارسونه فيما بينهما فيستحكم بذلك علمهم . ودلالته على رصانة علمهم بكون التوراة كتاب اللّه ظاهر ، وأما دلالته على رصانة علمهم بكون القرآن كتاب اللّه فهي أنهم لما تدارسوا التوراة وجدوا فيها نعوت محمد عليه الصلاة والسّلام ، ثم إنه عليه السّلام لما بعث ووجدوا ما فيه من النعوت موافقا لما ذكر في التوراة استحكم به علمهم بأنه هو النبي عليه الصلاة والسّلام المبشر به في التوراة ، واستحكم بذلك أيضا علمهم بأن القرآن كتاب اللّه تعالى مع أن ما فيه من كمال الفصاحة والبلاغة يكفي في استحكام ذلك العلم . قوله : ( دل بالآيتين ) الأولى قوله تعالى :وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ[ البقرة : 99 ] إلى قوله :بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[ البقرة : 100 ] والثانية قوله تعالى :وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[ البقرة : 101 ] إلى قوله :كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ[ البقرة : 101 ] وجل الشيء معظمه وأكثره . وفي بعض النسخ « جيل اليهود » أي صنفهم يقال : جيل من الناس أي صنف منهم . الترك جيل والروم جيل . قوله : ( وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله بل أكثرهم ) فإنه يدل على أن منهم من يؤمن لكنه قليل . قوله : ( وفرقة جاهروا بنبذ عهودها ) عهود التوراة ما فيها من الدلائل الدالة على حقية