حدودها تمردا وفسوقا وهم المعنيّون بقوله :
نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
[ البقرة : 100 ] وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون . وفرقة تمسّكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية عالمين بالحال بغيا وعنادا وهم المتجاهلون .
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ
عطف على نبذ أي نبذوا كتاب اللّه واتّبعوا كتب السّحر التي تقرأها أو تتبعها الشياطين من الجن أو الإنس أو منهما .
شرح
ما فيها من الأحكام التي من جملتها بعثة محمد عليه الصلاة والسّلام وصحة شرعه وما أنزل عليه من القرآن العظيم . فإنه تعالى لما أظهر فيها تلك الدلائل كان ذلك كالعهد منه تعالى ومن التوراة أيضا ، وتلك الدلائل لما كانت بحيث توجب لكل من ينظر فيها أن يقبل مدلولاتها جعلوا كأنهم قد قبلوها وعاهدوا عليها فصار ذلك كالمعاهدة منهم مع اللّه تعالى ومع التوراة . فلذلك أسندت إليهم المعاهدة حيث قيل :أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً[ البقرة : 100 ] وأيضا أسند إليهم النبذ المقتضي سابقة الأخذ بالعهد في الجملة . قال الراغب : وقد دل تعالى بالآيتين على أن جل اليهود ثلاث فرق : فرقة جاهروا بنبذ العهد ، وفرقة لم يجاهروا بل آمنوا بذلك وهم أكثرهم ، وفرقة أخرى طرحوا حكم الكتاب عيانا فصاروا في حكم الجهلة ، وهذه القسمة عجيبة الشأن فإن دافعي الحق ثلاثة أقسام : جاهل غير عالم بجهله وهو الشرير الذي لا مداواة له وإياه عنى بقوله :أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْوجاهل عالم بجهله وإياه عنى بقوله :بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَومعاند غير جاهل وإياه عنى بقوله :نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَوصف هذا الفريق بأن حكمهم حكم الجاهلين الذين هم فوق الموصوفين بأنهم لا يؤمنون وكل من دافع الحق لا ينفك عن الأقسام الثلاثة التي ذكرناها . انتهى تحقيق الراغب .
قوله : ( التي تقرأها أو تتبعها الشياطين ) يعني أن قوله تعالى :تَتْلُوايحتمل أن يكون من التلاوة كما في قوله تعالى :يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ[ البقرة : 121 ] وقوله :فَالتَّالِياتِ ذِكْراً[ الصافات : 3 ] ويحتمل أن يكون من التلو وهو التبع كما في قوله تعالى :وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها[ الشمس : 2 ] تقول : تلوت الرجل أتلوه تلوا إذا تبعته . وقيل : تلا تارة يقال في اتباع الغير إما بالجسم أو بالحكم ، وتارة يقال : في اتباع الكلام إما بالقراءة وإما بالتدبر لمعناه . وأصل مصدر الأول تلوا ومصدر الثاني تلاوة . واختلفوا في الشياطين : فقيل : المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين . وقيل : شياطين الإنس . وقيل : شياطين الإنس والجن معا . أما الذين حملوه على شياطين الجن فقالوا : كان الشياطين قبل عصر عيسى عليه السّلام غير ممنوعين عن صعود السماء وإنما منعوا بعد رفعه إلى السماء عن السماء الخامسة والسادسة والسابعة ،