نقضه . وأصل النبذ الطرح لكنه يغلب فيما ينسى ، وإنما قال : فريق لأن بعضهم لم ينقض .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 100 ) ردّ لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلّون أو أن من لم ينبذ جهارا فهم مؤمنون به خفاء .
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
كعيسى ومحمد
شرح
بالنبذ ، فعلى هذا يتسق الحمل انتظاما جيدا . قال الراغب : ثم بيّن أن عادة أكثرهم أن لا يؤمنون تنبيها على أن أكثرهم وإن لم ينبذ العهد جهارا لم يحصل منهم الإيمان الذي هو معرفة ما يجب معرفته وفعل ما يجب فعله بل اقتصروا على ظاهر القبول الذي لا يفيد على الحقيقة .
قوله : ( لكنه يغلب فيما ينسى ) يعني أنه وإن كان بمعنى الطرح إلا أن غالب استعماله في طرح شيء لا يتعلق به الاهتمام بل يفرغ منه وينسى للاستغناء عنه ، والطرح في الأعيان حقيقة وفي العهد ونحوه مجاز . ونبذ العهد وراء الظهر عبارة عن الاستخفاف به وعدم الاهتمام بشأنه فلذلك فسر بقوله : « نقضه » ، ثم بيّن أن معناه الأصلي الحقيقي الطرح .
والفريق الطائفة ويطلق على القليل والكثير ، فلذلك توهم أن الفريق النابذ للعهد هم الأقلون وأن تنوين فريق للتقليل ، فرد هذا الوهم بقوله :بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَفإن الظاهر أنه معطوف على قوله :نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْعلى طريق عطف جملة على جملة فيكون « بل » لإضراب الانتقال لا الإبطال . وكلمة « بل » لا تسمى عاطفة إلا إذا كانت لعطف المفرد على المفرد . ويحتمل أن يكون الكلام من قبيل عطف المفرد بأن يكونأَكْثَرُهُمْمعطوفا علىفَرِيقٌويكون قوله :لا يُؤْمِنُونَفي موقع الحال منأَكْثَرُهُمْ.
قوله : ( أو أن من لم ينبذ جهارا ) اي أو هو رد لما يتوهم من أن من لم ينبذه بلسانه فهو يؤمن به بقلبه بأن يحمل النبذ على ما هو المتبادر منه وهو النبذ جهارا ، ويحمل الفريق على الأقلين منهم . ويفهم من إسناد النبذ إلى الأقلين منهم أن الأكثرين منهم لم ينبذوه جهارا ولا خفاء بل آمنوا به خفاء فرد اللّه تعالى هذا الوهم بقوله :بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَعلى معنى أن الأكثرين لا يخالفون الأقلين منهم في أصل النبذ بأن ينبذه الأقلون ولا ينبذه الأكثرون أصلا بل يؤمنون بقلوبهم ، وإنما يخالفونهم في وصفه بأن ينبذه الأقلون جهارا ولا ينبذه الأكثرون جهارا بل ينبذونه خفاء أي لا يؤمنون ولا يعتقدون بقلوبهم بل يقتصرون على ظاهر القول ومجرد القول باللسان بدون التصديق القلبي لا عبرة به .
قوله تعالى : ( مصدق لما معهم ) أي من الاعتقاد بنبوة موسى عليه الصلاة والسّلام وبصحة التوراة . فإن كل واحد من عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام كان معترفا بذلك