تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
أن التقدير إلا الذين فسقوا أو كلما عاهدوا ، وقرىء عوهدوا وعهدوا .
نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
شرح
ما جرى وكذا على بني النضير فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عليه الصلاة والسّلام عن كفرهم بما أنزل عليه من الآيات الدالة على نبوته وعلى صحة شرعه بأن ذلك ليس ببدع منهم بل إتيان القبائح وارتكاب الرذائل سجية وعادة لهم ولأسلافهم حيث نبذ فريق منهم العهد كما عاهدوه أي نبذه مرارا كثيرة . قوله : ( على أن التقدير إلا الذين فسقوا أو كلما عاهدوا عهدا ) عطف على صلة الموصول الذي هو اللام في « الفاسقون » بطريق الميل إلى جانب المعنى . فإن النظر إلى جانب اللفظ يمنع العطف المذكور لاستلزامه صريح وقوع الفعل بعد اللام ، ولام الموصول إنما تدخل على فعل صورة الاسم ولا تدخل على صريح الفعل لاستلزامه تقدم ما في حيز الصلة على الموصول ، فإن الظرف من حيث كونه معمول الفعل في حيز الصلة وقد قدم على عامله . والمحذور الثاني وإن كان لازما على تقدير النظر إلى جانب المعنى أيضا إلا أنه اعتفر بناء على أن الموصول عبر عنه بصورة حرف التعريف الذي لا يمنع التقديم ، كما قال ابن الحاجب في قوله تعالى حكاية عن إبليس :إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ[ الأعراف : 21 ] إن قوله :« لَكُما »متعلق بالناصحين لأن المعنى عليه ، والألف واللام وإن كانت اسما موصولا إلا أنها لما كانت صورتها صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقديم . ونظيره قول الحماسي :فتى ليس بالراضي لأدنى معيشة * ولا في بيوت الحي بالمتولجفإن كلمة « في » متعلقة ب « المتولج » بناء على ما ذكر . ولا يرد أن يقال : كلمة « أو » لكونها للشك كيف يصح وقوعها في كلام من يستحيل عليه الشك لما قيل : إن « أو » في مثل هذه المواضع تفيد تساوي الأمرين ، والوقوع بمن أسند إليه مع أن الثاني أبعد وأليق بأن لا يقع فيحمل على أنها بمعنى « بل » . فإن « أو » قد تكون بمعنى « بل » كما في قوله :بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أو أنت في العين أملحوقد قامت القرينة على كونها ههنا بمعنى « بل » كقوله تعالى :بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَترقيا إلى الأغلظ والأغلب . أثبت أولا أنهم فاسقون مبالغون في الكفر ثم أضرب عنه بقوله :أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْأي ليس ما بهم من الوصف القبيح منحصرا في الفسق والتمرد في الكفر بل نبذه فريق ، ثم أضرب عن هذا إلى ما هو أغلظ منه بقوله :بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَأي الكفر بنبذ العهد ما صدر من قليل منهم فقط بل أكثرهم كافرون بذلك . والفريق المذكور ليس الأقلين منهم بل هو أكثرهم إذ الفريق الذي نبذه جهارا وإن كان الأقلين منهم إلا أن من لم ينبذه جهارا فهو نابذ له خفاء فيكون أكثرهم نابذين . كافرين