أي المتمرّدون من الكفرة والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كأنه متجاوز عن حدّه . نزل في ابن صوريا حين قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك .
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً
الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف تقديره : أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا . وقرىء بسكون الواو على
شرح
الجسم فهو على الكلام محال ، لكن جبريل عليه السّلام لما نزل من الأعلى إلى الأسفل بأمر اللّه وأخبر به سمّي ذلك إنزالا . قوله : ( أي المتمردون من الكفرة ) يعني أن اللام في « الفاسقون » لجنس الكفرة فإن الفسق مستعمل في الكفر فكأنه قيل : إلا الفاسقون في الكفر ، فدل ذلك على أنهم في غاية العتو والعناد بدليل ما روي عن الحسن البصري رحمه اللّه : أن الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع كفرا كانت تلك المعصية أو غيره ، فإذا قيل : هو فاسق في الشرب أو في الزنى دل على أنه متوغل في ذلك وأكثر ارتكابا له . فلذلك فسر الفاسقين بالمتمردين من الكفرة واستشهد عليه بقول الحسن . والفسق في الأصل الخروج عن الطاعة إما بالعدول عن أصل الدين ، وإما بالعدول عن بعض الطاعات بارتكاب كبيرة ولذلك قال تعالى في إبليس :فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ[ الكهف : 50 ] وقال فيمن يرمي المحصنات :وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ[ النور : 4 ] وقال :إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ[ التوبة : 67 ] فبين الفاسق والفاسق بون بعيد . والكفر بالآية قد يكون بجحودها مع العلم بصحتها ، وقد يكون بجحودها مع الجهل بها وترك النظر فيها والإعراض عن دلالتها ، وليس في الظاهر ما يخصصه بأحد الوجهين فالمراد بالكفر بالآيات ما يتناول كلا الوجهين .
قوله : ( تقديره أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق ) فإن « كلما » نصب على الظرفية والعامل فيه فعل دل عليه نبذه قال المكي في معربه : الواو في « أو كلما » واو عطف دخلت عليها همزة الاستفهام للإنكار . وقال الأخفش : الواو زائدة . وقال الكسائي :
هي « أو » حركت الواو منها ولا يقاس بهذا القول . انتهى كلامه . ولا وجه لقوله أيضا لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة ، فالمختار قول سيبويه لما وصفهم اللّه تعالى بأنهم فاسقون في الكفر متمردون فيه أنكر عليهم هذا التوغل وهو نقضهم عهد اللّه مرارا كثيرة عهدا بعد عهد فقال :أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداًفإنه تعالى أخذ منهم ومن آبائهم ميثاقا فنقضوا كما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق إلّا بعد إلّ وكذاكم عاهدهم رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام فلم يفوا به . فإنهم عاهدوه عليه الصلاة والسّلام أن لا يعينوا أحدا من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه عليه السّلام قريشا يوم الخندق حتى جرى على بني قريظة