تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث إنّ كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها حتى لو نزل المتقدّم في أيام المتأخر لنزل على وفقه . ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي » . تنبيه على أنّ اتّباعها لا ينافي الإيمان به بل يوجبه . ولذلك عرّض بقوله :
شرح
« يخالفها » وقوله : « من حيث إن كل واحدة منها » متعلق بقوله : « مطابق لها » لكن باعتبار أن يتعلق به قوله : « فيما يخالفها » . وتوضيح الوجه الثاني الذي ذكره لكون القرآن مصدقا للكتب الإلهية أنه مصدق لها من حيث إنه مطابق لها في القصص والمواعظ وأصول الشرائع وكلياتها ، فإنها لا تختلف باختلاف الملل والأديان وتعاقب الأعصار والأزمان . ومن حيث إنه مطابق لتلك الكتب فيما يخالفها من جزئيات الأحكام وفروعها بسبب اقتضاء مصلحة كل قوم وزمانهم ، من حيث إن كل واحدة منها حق بالنسبة إلى زمانها ومنسوخة عند انقضاء زمانها ، فالجزئيات المخالفة بحسب الذات كحل فعل واحد وحرمته متطابقة من حيث إن كل واحد منها حق تقتضيه مصلحة كل قوم وزمانهم . قال الراغب : لا منافاة بين ما أتى به الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام من أصول العبادات ، وأنهم كنفس واحدة من حيث إنه يتساوى دعاؤهم إلى التوحيد والأركان الثلاثة من الشرائع التي هي : العبادات الخمس وأحكام الحلال والحرام والمزاجر . وإنما الاختلاف بينهم في جزئيات الأحكام وفروعها كفي ما تقتضيه مصلحة كل قوم وزمانهم فكل نبي مصدق للآخر فيما أتى به من حيث إن كليات شرائعهم متساوية وأن فروعها حق بالإضافة إلى زمان كل واحد منهم وأمته حتى لو كان أحدهم في زمن الآخر لم ير المصلحة إلا فيما أتى به الآخر . ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام في حق موسى بن عمران : « ما وسعه إلا اتباعي » . انتهى . فعلى هذا وإن كانت في القرآن أحكام جزئية مخالفة لما في الزمان الأول والكتب السابقة صورة ، فإنها موافقة من حيث إن كل واحد منها مقتضى الحكمة والمصلحة فظهر من هذا أن المنسوخ موافق للناسخ حقيقة من حيث إن كل واحد منهما مقتضى الحكمة . انتهى كلامه . قوله : ( تنبيه على أن اتّباعها لا ينافي ) خبر لقوله : « وتقييد المنزل » يعني أن تقييد القرآن بما ذكر تنبيه على أن اتباع الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجب الإيمان به لكونه مطابقا لها ومصدقا . قوله : ( ولذلك عرض بقوله ) أي ولكون اتباع تلك الكتب موجبا للإيمان بالقرآن عرض اللّه تعالى بقوله :وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِوقوله : « بأن الواجب » متعلق بقوله : « عرض » والباء في « بقوله » للاستعانة كما في : كتب بالقلم . والتعريض في اللغة خلاف التصريح ويقال لإمالة الكلام : إلى عرض أي جانب بأن يذكر شيء ويراد غيره كقول المحتاج : جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم ويراد به الاستعطاف والاستعطاء . وهذا المعنى هو المراد ههنا فالمقصود