تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
صنائعه ، ومنها أكثر منافعه عبّر بها عن النفس تارة وعن القدرة أخرى . وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر لأنهم لو تمنوا الموت لنقل واشتهر . فإنّ التمني ليس من عمل القلب ليخفى بل هو أن يقول : ليت لي كذا ولو كان بالقلب لقالوا تمنّينا . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تمنّوا الموت لغصّ كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه
شرح
يكن لليد فيها عمل . قوله : ( وهذه الجملة ) وهي قوله تعالى :وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداًإخبار بالغيب . فإن عدم تمنيهم الموت في المستقبل وهو غيب لا يعلم بالحس لا ببديهة العقل ولم ينصب عليه دليل أيضا ، فكانت الآية من المعجزات الدالة على حقية رسالة نبينا عليه الصلاة والسّلام . فإنه لما أخبر عن اللّه تعالى أنهم لا يتمنون الموت أبدا كان الأمر كما قال مع أن تكذيبه عليه السّلام أهم الأمور عندهم وأن ما يدعوهم إليه قوي متوفر بالنسبة إليهم ، وأن قولهم تمنينا الموت سهل غيره متعسر عليهم ، فلو قال أحد منهم ذلك لظهر كذبه عليه السّلام فيما أخبر به عن اللّه تعالى ولتبين بذلك كذبه في دعوى الرسالة أيضا . ومع ذلك امتنعوا من أن يقولوا ذلك وكان الأمر كما قال ، فعلم بذلك أنه عليه الصلاة والسّلام إنما علم ذلك وأخبر به بأن أوحي إليه من عند اللّه تعالى وأنه رسول حقا . وكلمة « لن » لتأكيد النفي ولفظ « أبدا » للتأبيد في الدنيا كما في قوله تعالى :لَنْ تَرانِي[ الأعراف : 143 ] فلا ينافيه تمنيهم الموت في النار بقولهم :يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ[ الزخرف : 77 ] وبقولهم :يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ[ الحاقة : 27 ] أي الموت ولما كان مظنة أن يقال : من أين علم أنهم لم يتمنوا علله ؟ بقوله : « لأنهم لو تمنوه لنقل واشتهر » فإن قيل : عدم نقل تمنيهم الموت إلى الآن لا يدل على عدم تمنيهم أبدا . أجيب بأنه لا محيص عنه سوى أن يكون الخطاب مع المعاصرين وقد انقرضوا ولم يتمنوا إلا لنقل ذلك واشتهر ، فلما لم ينقل علم أنهم لم يتمنوه . ولما ورد أن يقال عدم النقل لا يدل على عدم تمنيهم لاحتمال أنهم قد تمنوه لكن لم يطلع على تمنيهم لخفائه وكونه سرا من حيث إنه عمل القلب فلا يطلع عليه فعدم النقل لذلك لا لانعدامه من أصله . أجاب عنه أولا بمنع أنه من عمل القلب بل هو القول باللسان كالخبر فإنه لا يطلق إلا على ما يجري على اللسان فكذا التمني . غاية ما في الباب أن اللسان لا يعبر إلا عما يخطر بالجنان ولا يلزم منه أن يكون ما في النفس من المعاني مسمى بالإسماء الموضوعة بإزاء أقسام الكلام ، وثانيا بتسليم أن التمني عمل القلب وأنهم لو تمنوه بقلوبهم لقالوا بألسنتهم : تمنينا الموت بقلوبنا ردا منهم لما قيل في حقهم :وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداًفإنه لما قيل فيهم بطريق المعجزة إنهم لن يتمنوه أبدا فقد طلب منهم إظهار التمني باللسان كما إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق إن شئت وأحببت أمر كذا ، فإن الطلاق يتعلق بالإخبار دون الإضمار . فكذا لا بد في رد المعجزة ودفعها ههنا من أن يخبروا بألسنتهم بأنهم قد