إلّا من كان هودا ، ونصبها على الحال من الدار
مِنْ دُونِ النَّاسِ
سائرهم أو المسلمين ، واللام للعهد .
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 94 ) لأن من أيقن
شرح
مذهب المعتزلة . قيل : لا تناقض ، بل الأجل واحد واللّه تعالى علم منهم في سابق علمه أنهم لا يتمنون الموت فيكون أجلهم وقت ما أراد ولو علم منهم أنهم يتمنون الموت لجعل أجلهم وقت تمنيهم في الابتداء إلا أنه جعل أجلهم في وقت معلوم إذا لم يتمنوا وفي وقت التمني إذا تمنوا لأن ذاك صنيع من هو جاهل بالعواقب . وهذا كما تقول في الحديث المأثور « إن صلة الرحم تزيد في العمر » المراد به أن يجعل عمره من الابتداء كذلك إذا كان في بيان علمه أنقص من ذلك لا أن يجعل عمره إلى وقت ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأجل وإذا لم يصل فينتقض فمثله ما نحن فيه ، كذا في شرح التأويلات للشيخ أبي منصور الماتريدي قدس اللّه سره ونور مرقده . وقوله :خالِصَةًقال الراغب : الخالص كالصافي لكن الصافي يقال فيما لم يكن قبل فيه شوب ، ولا يقال خالص إلا إذا كان فيه شوب من قبل فزال عنه . و « دون » لما كان في الأصل اسما للقاصر عن الشيء اعتبر ذلك في المكان نارة ، وفي الشرف تارة ، وفي الاختصاص تارة . وإذا قيل : هذا لي دونك فهو مفيد للاختصاص ومعناه : أنت تقصر عنه ، فإن قيل : كيف ؟ قال : من دون الناس . والمخاطبون أيضا من الناس قيل : المراد بالناس أكثرهم إذ لفظه عام ، ومعناه خاص أي دون سائر الناس .
وقال بعضهم : فيه لطيفة وهو أنه يقال : فلان ليس من الناس وذلك متردد بين المدح والذم .
فالمدح نحو قولك : فلان ليس بإنسان بل هو ملك كريم ، والذم نحو قوله :لا يخدعنك اللحى ولا الصور * تسعة أعشار من ترى بقرولما كانت الدار الآخرة لا تحصل للناس خالصة بل لا بد في نيلها من تحمل شوائب وتجرع نوائب ، وكانوا قد ادعوا أنها لهم خالصة قيل لهم ذلك بمعنى : إن كنتم جنسا غير الناس في أن تحصل لكم الدار الآخرة خالصة بخلاف ما تحصل للناس فتمنوا الموت . وإنما قيل لهم : تمنوا الموت لأنهم قالوا :لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى[ البقرة : 111 ] وقالوا :نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ[ المائدة : 18 ] فبيّن اللّه تعالى كذبهم في دعواهم ذلك فقال : إن كنتم أحباء اللّه فالمحبة داعية إلى الشوق والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب ، ومحبة لقائه داعية إلى تمني سهولة السبيل إليه ولا سبيل إلى سهولة السبيل إليه إلا بالموت . فيجب أن يكون الموت متمنى . فتركهم تمني ذلك دلالة على أن لا محبة منكم له . قوله : ( ونصبها على الحال من الدار ) فإنها اسم « كان » وخبره « لكم » قدم عليه للاهتمام و « عند اللّه » ظرف متعلق « بكانت » أو خبرها ، وقد مر أن معناه في كتاب اللّه وحكمه . واختار المصنف مذهب من يجوّز انتصاب الحال من اسم « كان » لأن « كان » فعل متصرف يعمل الرفع