تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً
خاصة بكم كما قلتم لن يدخل الجنة
شرح
يَأْمُرُكُمْ بِهِالمراد معناه المجازي والمعنى بئس ما يدعوكم إليه إيمانكم ويقتضيه ، وفيه تشبيه لاستدعاء الشيء واقتضائه بالأمر به وإطلاق اسم المشبه به على المشبه . وليس المراد حقيقة الأمر لأنها لا تتصور إلا من العقلاء والإيمان والكفر من قبيل الإعراض . قوله : ( كما قلتم لن يدخل الجنة الخ ) يعني أن من جملة قبائحهم أنهم كانوا يأمنون من سوء الخاتمة ولا يخافون منها بل يحكمون بأن الدار الآخرة وما أعد اللّه تعالى فيها لعباده من الملك العظيم والنعيم المقيم كما قال تعالى حكاية عنهملَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى[ البقرة : 111 ] وقولهم :كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا[ البقرة : 135 ] وقوله :نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ[ المائدة : 18 ] وقولهم :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً[ البقرة : 80 ] فأمر اللّه تعالى رسوله عليه السّلام بأن يقول لهم : إن كانت الدار الآخرة لكم كما تزعمون ، وإن كنتم أبناء اللّه وأحباءه كما تدعون فتمنوا الموت . وذلك لأن المرء لا يكره الانتقال إلى داره وبستانه بل يتمنى ذلك ، وكذلك المرء لا يكره القدوم على اللّه ولا على حبيبه ولا يخاف منهما النقمة بل يتوقع عندهما الكرامات والدرجات والعطايا والهدايا . فإن كان الأمر كما تقولون فتمنوا الموت حتى تنجوا من غم الدنيا ومن تحمل الشدائد التي كنتم فيها إن كنتم صادقين في زعمكم بأن الآخرة لكم وأنكم أبناء اللّه وأحباؤه . فإن قيل : إن اعترضوا علينا وقالوا : إنكم تقولون إن الآخرة للمؤمنين لم لا أحد منكم يتمنى الموت إذا قيل له تمن الموت ؟ فكل عذر لاح لكم فهو عذر لنا فلا معنى لاحتجاجكم بذلك علينا . أجيب عن هذا الإشكال بوجهين : أحدهما أن المؤمنين لم يجعلوا لأنفسهم من الفضل والمنزلة عند اللّه مثل ما جعل اليهود لأنفسهم ، بل المؤمن وإن جل قدره غير الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام . فإنه لا يزول عنه خوف الخاتمة . ومن كان قد ابتلي بشيء من الخطايا فهو مفتقر إلى زمان يتدارك فيه الذي فاته فلهذا لم يتمن المؤمنون الموت . فأما اليهود فقد ادعوا أنهم من أهل الجنة وليس فيها شيء من الشدة والدنيا دار شدة وبلية فلا معنى لامتناعهم من تمني الموت لو كانوا صادقين في دعواهم . وثانيهما أنهم كانوا يزعمون أنهم أبناء اللّه وأحباؤه وفي تمنيهم الموت وصول إلى أبيهم وحبيبهم في زعمهم ولا أحد يرغب ولا ينفر عن الحبيب والأب فدل امتناعهم من ذلك على كذبهم في دعواهم . وأما المسلمون فلا يدعون ذلك ولا يتمنون الموت بل يرغبون في امتداد الحياة ولو تمنوه فوقع متمناهم لزم انقضاء عمرهم بدون الأجل الذي جعل لهم وفي ذلك تقديم الأجل عن الوقت الذي كان له ، واللّه تعالى يقول :فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ[ الأعراف : 34 ؛ النحل : 61 ] فكان بين الاثنين مناقضة ويؤدي إلى القول بأجلين وهو