قالُوا سَمِعْنا
قولك .
وَعَصَيْنا
أمرك .
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
تداخلهم حبّه ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به كما يتداخل الصبغ الثوب والشراب أعماق البدن . وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى :
إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
[ النساء : 10 ] .
شرح
وتقرير الجواب أن الاستدراك إنما يلزم إذا أمروا بمطلق السماع وهم قد أمروا بسماع مقيد وهو سماع القبول والطاعة فأجابوا بنفي المقيد باعتبار انتفاء قيده وقالوا :سَمِعْناسماع معصية فهو جواب مطابق للأمر بسماع القبول والطاعة لا استدراك فيه .
قوله : ( واشربوا ) يجوز أن يكون معطوفا على قوله :قالُوا سَمِعْناويجوز أن يكون حالا من فاعلقالُواأي قالوا ذلك وقد أشربوا . ويجوز أن يكون مستأنفا لمجرد الإخبار بذلك ، واستضعفه أبو البقاء بناء على أنه قد قال بعد ذلك :قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ[ البقرة : 93 ] وهو جواب قولهم :سَمِعْنا وَعَصَيْنافالأولى أن لا يكون بينهما أجنبي . والضمير المرفوع فيأُشْرِبُوامفعوله الأول أقيم مقام الفاعل والثاني هو العجل ، لأن شرب يتعدى بنفسه وبالهمزة يتعدى إلى مفعول آخر ، والأحسن يقدر مضافان قبل العجل .
ويقال تقدير الكلام : وأشربوا حب عبادة العجل . قوله : ( تداخلهم حبه ) يعني أن حقيقة أشربوا العجل جعلوا شاربين للعجل ، وأن حقيقة الشرب تناول الماء بالفم وإدخاله الجوف ولا ماء هنا فضلا عن تناوله بالفم . وإن أريد بالشرب مجرد إدخال شيء وإيصاله إلى الجوف فنفس العجل وجسده وجسمه لا يدخل الجوف ، فأول الشرب بالنفوذ والحلول والدخول وحمل الكلام على حمل المضاف كقوله تعالى :وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ[ يوسف : 82 ] فمعنى الآية وتقديرها وسقوا حب العجل وخلطوا به حتى اختلط بهم كما يقال : أبيض مشرب حمرة إذا كان مخالطه حمرة والحب واللون ونحوهما وإن كانت مما لا يتعلق بالشرب حقيقة ، إلا أنه شاع واشتهر بين الأنام استعارة اسم الشراب لكل ما ينفذ في الشيء ويختلط به نفوذ المشروب في إمعاء الشارب واستعارة اسم الشرب لنفوذه فيه كقول من قال :شربت الحب كأسا بعد كأس * وما نفد الشراب ولا رويتويقال : أشرب قلبه حبّا أو بغضا وأشرب الثوب الصبغ أي تداخل ونفذ كنفوذ الماء في أعماق الجسد . قوله : ( ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به ) إشارة إلى أن وجه العدول عما هو صريح في الدلالة على المعنى المذكور إلى ما عليه المنزل يدل على المبالغة في شربهم حب العجل ، وذلك أن المنزل يدل على التمكن والرسوخ المستفاد من الظرفية وعلى أن فرط حبهم له بلغ إلى حيث صارت صورة العجل متمكنة راسخة في قلوبهم غير زائلة