تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
قالُوا سَمِعْنا
قولك .
وَعَصَيْنا
أمرك .
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
تداخلهم حبّه ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به كما يتداخل الصبغ الثوب والشراب أعماق البدن . وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى :
إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
[ النساء : 10 ] .
شرح
وتقرير الجواب أن الاستدراك إنما يلزم إذا أمروا بمطلق السماع وهم قد أمروا بسماع مقيد وهو سماع القبول والطاعة فأجابوا بنفي المقيد باعتبار انتفاء قيده وقالوا :سَمِعْناسماع معصية فهو جواب مطابق للأمر بسماع القبول والطاعة لا استدراك فيه . قوله : ( واشربوا ) يجوز أن يكون معطوفا على قوله :قالُوا سَمِعْناويجوز أن يكون حالا من فاعلقالُواأي قالوا ذلك وقد أشربوا . ويجوز أن يكون مستأنفا لمجرد الإخبار بذلك ، واستضعفه أبو البقاء بناء على أنه قد قال بعد ذلك :قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ[ البقرة : 93 ] وهو جواب قولهم :سَمِعْنا وَعَصَيْنافالأولى أن لا يكون بينهما أجنبي . والضمير المرفوع فيأُشْرِبُوامفعوله الأول أقيم مقام الفاعل والثاني هو العجل ، لأن شرب يتعدى بنفسه وبالهمزة يتعدى إلى مفعول آخر ، والأحسن يقدر مضافان قبل العجل . ويقال تقدير الكلام : وأشربوا حب عبادة العجل . قوله : ( تداخلهم حبه ) يعني أن حقيقة أشربوا العجل جعلوا شاربين للعجل ، وأن حقيقة الشرب تناول الماء بالفم وإدخاله الجوف ولا ماء هنا فضلا عن تناوله بالفم . وإن أريد بالشرب مجرد إدخال شيء وإيصاله إلى الجوف فنفس العجل وجسده وجسمه لا يدخل الجوف ، فأول الشرب بالنفوذ والحلول والدخول وحمل الكلام على حمل المضاف كقوله تعالى :وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ[ يوسف : 82 ] فمعنى الآية وتقديرها وسقوا حب العجل وخلطوا به حتى اختلط بهم كما يقال : أبيض مشرب حمرة إذا كان مخالطه حمرة والحب واللون ونحوهما وإن كانت مما لا يتعلق بالشرب حقيقة ، إلا أنه شاع واشتهر بين الأنام استعارة اسم الشراب لكل ما ينفذ في الشيء ويختلط به نفوذ المشروب في إمعاء الشارب واستعارة اسم الشرب لنفوذه فيه كقول من قال :شربت الحب كأسا بعد كأس * وما نفد الشراب ولا رويتويقال : أشرب قلبه حبّا أو بغضا وأشرب الثوب الصبغ أي تداخل ونفذ كنفوذ الماء في أعماق الجسد . قوله : ( ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به ) إشارة إلى أن وجه العدول عما هو صريح في الدلالة على المعنى المذكور إلى ما عليه المنزل يدل على المبالغة في شربهم حب العجل ، وذلك أن المنزل يدل على التمكن والرسوخ المستفاد من الظرفية وعلى أن فرط حبهم له بلغ إلى حيث صارت صورة العجل متمكنة راسخة في قلوبهم غير زائلة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 162 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين