وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ
يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات
ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ
أي إلها
مِنْ بَعْدِهِ
من بعد مجيء موسى أو بعد ذهابه إلى الطور
وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ
( 92 ) حال بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته ، أو بالإخلال بآيات اللّه تعالى ،
شرح
قوله : ( يعني الآيات التسع ) وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء وفلق البحر وتفجير الماء الكثير من الحجر الصغير . وقيل : نتق الطور بدل الطوفان . فإن قيل : كيف قال : تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال : يخرج أمس ؟ أجيب بأن عادة العرب إذا أرادوا أن يخبروا عن تعاطي فعل مداوم عليه بدلوا لفظ الماضي بالمستقبل تنبيها على المداومة عليه نحو قول الشاعر :ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمة قلت لا يعنينيوعلى ذلك يقال : فعلت كذا قبل وبعد ، فجيء تارة بلفظ الماضي وتارة بلفظ المستقبل . والظاهر أن محصول الجواب أن لفظ المضارع في هذه يراد به الاستمرار التجددي كما في نحواللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ[ البقرة : 15 ] بمعنى أن شأنه تعالى استهزاؤهم وإهانتهم وقد يجاب عنه بأنه من قبيل حكاية الحال الماضية كأنه قيل : فلم كنتم تقتلون من قبل ؟ وقيل :
قوله :مِنْ قَبْلُمتعلق بمقتضى قوله :فَلِمَالذي هو بحث عن علة الشيء فكأنه قيل :
أخبروني من قبل بمقتضى قوله :فَلِمَعن سبب قتلكم ومداومتكم . قوله : ( من بعد مجيء موسى ) عليه الصلاة والسّلام بالبينات على أن يكون ضمير من بعده راجعا إلى المجيء المدلول عليه بقوله :جاءَكُمْ. وقوله : أو ذهابه إلى الطور على تقدير أن يكون الضمير لموسى بتقدير المضاف نحو الذهاب والانطلاق والمفارقة .
قوله : ( حال بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته أو بالإخلال بآيات اللّه ) كلمة « أو » لمنع الخلو لجواز الجمع . نقل صاحب الكشف عن صاحب التحقيق أنه قال : الحمل على الاعتراض أولى وإن كان ميل أكثر المفسرين إلى الأول لأنه إن جعل حالا يكون تكرارا محضا ، وإن عبادة العجل لا تكون إلا ظلما بخلاف ما لو جعل اعتراضا فإنه حينئذ يكون بيانا لرذيلة لهم تقتضي ذلك . والمصنف قدم ما ذهب إليه الأكثرون وأشار إلى انتفاء التكرار وكون الحال مقيدة لمضمون عاملها بأن قدر مفعولا ثانيا لعاملها حيث قال : « اتخذتم إلها » بمعنى أنكم اعتقدتم كونه مستحقا للعبادة أي بإتعاب الجوارح في خدمته على وجه الثبات والدوام كما يدل عليه الجملة الاسمية . ولا يخفى أن الاستمرار على الظلم بعبادته وخدمته غير الظلم باعتقاد كونه إلها مستحقا للعبادة الذي هو مضمون العامل ومضمون الحال المفيد للتقييد ، ولم يقل « وأنتم عابدوه » للإشعار بأن عبادة العجل بعد اتخاذه إلها هي الظلم كله