نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا
أي بالتوراة .
وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ
حال من الضمير في قالوا ووراء في الأصل مصدر جعل ظرفا ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه ، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه ولذلك عدّ من الأضداد .
وَهُوَ الْحَقُّ
الضمير لما وراءه ، والمراد به القرآن
مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ
حال مؤكدة تتضمّن رد مقالتهم ، فإنهم لمّا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها .
شرح
[ البقرة : 39 ] فلو كانوا آمنوا بالتوراة لما كفروا بمحمد عليه الصلاة والسّلام وبما أنزل عليه ولصدقوا بالأنبياء كلهم وبما أنزل عليهم ثم كذبهم اللّه تعالى في ادعائهم الإيمان بالتوراة برضاهم بقتل الأنبياء نحو يحيى وعيسى وزكريا عليهم الصلاة والسّلام ، وليس في التوراة قتل نفس بغير حق فضلا عن قتل الأنبياء .
قوله : ( حال من الضمير في قالوا ) وذلك إما على حذف المبتدأ أي وهم يكفرون بما وراءه ، أو على تجويز دخول الواو في المضارع المثبت كما سمع من قولهم : قمت واصك وجهه ، بناء على كونها جملة وإن شابهت المفرد . قال ابن الحاجب في الكافية في بحث الحال : وتكون جملة خبرية فالاسمية بالواو وبالضمير على ضعف والمضارع المثبت بالضمير وحده ، وذلك لأن المضارع على وزن اسم الفاعل لفظا وتقديره معنى فقولك : جاءني زيد يركب بمعنى جاءني زيد راكبا ، فألحق به في كونه بالضمير وحده . قوله : ( ووراء في الأصل مصدر ) كأنه من وراه يريه مثل : قضى يقضي قضاء ، وواريت الشيء أخفيته ، وتوارى هو اختفى . وهو في غالب الاستعمال ظرف بمعنى خلف وقد يكون بمعنى قدام قال تعالى :
ومِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ[ الجاثية : 10 ] وقال :وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ[ الكهف : 79 ] أي من قدامهم أي وكان حاكمهم ملك . وهمزة وراء بدل من الياء لقولهم : تواريت أو هي همزة أصلية لتصغيره على وريئة . وقال الأزهري : يصلح لما قبله ولما بعده لأن معناه ما توارى عنك أي استتر ، وهو موجود فيهما . وعن الراغب : وراء يقال للخلف والقدام وهو في الأصل مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول ، فمتى قيل وراء زيد بمعنى قدامه فمعناه الذي يواري زيدا ، وإذا قيل بمعنى خلف فهو الذي يواريه زيد . ثم جعل ظرفا مثل كثير من المصادر فالذي يكون خلف أحد يكون ذلك الأحد مواريا له فقولك : وراء الأحد بمعنى خلفه من إضافة المصدر إلى الفاعل ، ولو كان أمام الأحد لكان الأحد مستورا به ولكانت الإضافة إلى المفعول . والورآء في الآية بمعنى القدام لأن القرآن الذي كفروا به قدام التوراة فالإضافة فيه من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول ، كأنه قيل : ويكفرون بالذي يواري التوراة ويسترها لكونه متقدما عليها . والضمير المجرور في قوله تعالى :بِما وَراءَهُراجع إلى التوراة وتذكيره لكون التوراة معبرا عنها بما في قولهم : « ما أنزل علينا » . والحصر